لماذا وإلى أين ؟

المرأة بين الحرية الرقمية والرقابة الاجتماعية

شامة اليعقوبي

هل منحت وسائل التواصل الاجتماعي فعلا صوتا غير مسبوق للنساء، أم أننا أمام وهم حديث يتخفّى في صورة حرية رقمية؟

نعيش أزمنة متعدد داخل زمن واحد ، في لحظات تتسم بوتيرة غير مسبوقة من التبدلات، لم تعد المجتمعات تتحرك وفق إيقاعها التقليدي، بقدر ما أصبحت تعيش على وقع تغيّرات متلاحقة تمسّ القيم والأفكار وأنماط العيش. لم يعد السؤال اليوم ماذا تغيّر، وإنما كيف ولماذا يحدث هذا التغيير بهذه السرعة التي تكاد تربك الإنسان نفسه، مما يضعنا أمام إعادة تشكيل شاملة لطبيعة العلاقات الإنسانية، ولموقع الفرد داخل المجتمع.

في قلب هذه التحولات، تبرز التكنولوجيا بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرا، كأداة وكقوة لها المقدرة على فرض أنماط جديدة من التفكير والتفاعل. فمنذ بداياتها، لا وجود للخيار المحايد أمام إعادة تشكيل الزمن وتقليص المسافات وتغيير طرق التعبير والتواصل.

ومع صعود الفضاء الرقمي، أصبح الإنسان فاعلا ومنتجا للمعنى، يعبّر عن ذاته ويشارك في تشكيل الرأي العام. غير أن هذا الفضاء، الذي يبدو للوهلة الأولى مفتوحا وحرا، يخفي في طياته أشكالا جديدة من الضبط والمراقبة، تختلف في أدواتها التي لا تقل تأثيرا عن الأشكال التقليدية، فكلما اتسعت مساحة التعبير، ازدادت في المقابل آليات التقييد غير المرئي، وكلما تعزّز صوت الفرد، تعاظمت احتمالات إخضاعه لنظرات المجتمع وأحكامه.

ضمن هذا السياق المتشابك، تبرز قضية المرأة كمرآة دقيقة لهذه التحولات، لتجد نفسها في قلب معادلة معقدة بين انفتاح غير مسبوق وبين ضغوط اجتماعية تتخذ أشكالا رقمية أكثر حدة وانتشارا. ليتحول السؤال حول الحرية الرقمية من سؤال تقني إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس طبيعة المرحلة التي نعيشها.

هل منحت وسائل التواصل الاجتماعي فعلا صوتا غير مسبوق للنساء، أم أننا أمام وهم حديث يتخفّى في صورة حرية رقمية؟ يبدو في الظاهر أن هذه المنصات قد كسرت احتكار التعبير، وفتحت المجال أمام النساء ليكنّ فاعلات في إنتاج الخطاب، لا مجرد متلقيات له. لم يعد الصوت النسائي رهين مؤسسات الإعلام التقليدي أو وساطة النخب، وإنما أصبح بإمكانه أن يظهر بشكل سريع ومباشر وعابر للحدود، مما تمثل تحولا في شكل الحضور النسائي داخل الفضاء العام.

غير أن هذا التحول، عند تأمله بعمق، يكشف عن مفارقة دقيقة. فامتلاك أدوات التعبير لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التأثير. إن ما تتيحه وسائل التواصل هو مساحة للكلام، لكنها ليست بالضرورة مساحة للفعل أو التغيير. فكثير من الأصوات تُنتج داخل دوائر مغلقة، تعيد نفس الأفكار دون أن تتجاوزها، أو تُستهلك بسرعة ضمن تدفق لا نهائي من المحتوى، حيث يصبح التعبير لحظة عابرة لا تترك أثرا مستداما.

ثم إن هذا “الصوت” يخضع بدوره لقواعد خفية تفرضها طبيعة الفضاء الرقمي نفسه، فالخوارزميات لا تكافئ بالضرورة العمق أو النقد، ولكنها تميل إلى إبراز ما هو مثير وقابل للتداول. وبهذا المعنى، يُعاد تشكيل الخطاب النسائي وفق منطق الانتشار، لا وفق منطق الحقيقة أو الأهمية.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال الوجه الآخر لهذا الفضاء، حيث تتعرض النساء لأشكال جديدة من العنف الرمزي: تحرش، تشهير، مراقبة مستمرة، وأحكام اجتماعية تتخذ طابعا أكثر قسوة وانتشارا. وهو ما يجعل هذا “الصوت” هشا، قابلا للانكسار في أي لحظة، وقد يدفع أحيانا إلى الانسحاب أو الرقابة الذاتية.

لا يقتصر هذا التوتر بين الحرية والرقابة على سياق بعينه، بل تؤكده العديد من الدراسات والتقارير الدولية التي تناولت علاقة النساء بوسائل التواصل الاجتماعي في سياقات مختلفة. إذ تتقاطع هذه الأعمال عند خلاصة مفادها أن الفضاء الرقمي يشكل مجالا مزدوجا، يجمع بين إمكانيات التمكين وحدود التقييد في آن واحد. فمن جهة، أتاح هذا الفضاء للنساء فرصا غير مسبوقة للتعبير عن ذواتهن، والمشاركة في النقاش العام، وكسر احتكار الخطاب التقليدي، وهو ما أسهم في بروز أشكال جديدة من الحضور النسائي العابر للحدود. غير أن هذه الدينامية تصطدم، في المقابل، بواقع لا يقل تعقيدا، حيث تنتشر أشكال مختلفة من العنف الرقمي، وتُفرض قيود غير مرئية ناتجة عن ضغط الجمهور ومنطق الخوارزميات معا. ونتيجة لذلك، تميل العديد من النساء إلى ممارسة نوع من الرقابة الذاتية، تفاديا للهجوم ، مما يجعل هذا التعبير هشّ ومشروط ومعرّض لإعادة الضبط الاجتماعي والرقمي.

في السياق المغربي، لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي فضاء منح المرأة حرية مطلقة بقدر ما هو مجال وسّع إمكانيات التعبير مع الإبقاء على قيود جديدة غير مرئية. فقد أبرزت هذه الوسائل حضور النساء المتزايد، ومنحت إمكانية الوصول إلى جمهور واسع دون وساطة، غير أن هذا الحضور يظل محفوفا بضغوط اجتماعية وثقافية تنتقل من الواقع إلى العالم الرقمي. فالمرأة، رغم قدرتها على التعبير، تجد نفسها أمام رقابة جماعية تتجلى في التشهير والأحكام الأخلاقية، مما يدفع إلى تبني خطاب حذر وانتقائي. كما أن منطق المنصات يفضل المحتوى السريع والسطحي، وهو ما يعيد توجيه الصوت النسائي نحو أشكال من الظهور أكثر من كونه تعبيرا نقديا عميقا. وفي هذا الإطار، يتحول العنف الرقمي إلى وسيلة ضمنية لإعادة ضبط حدود المقبول اجتماعيا. لذلك، يمكن القول إن الصوت النسائي في الفضاء الرقمي المغربي حاضر وفاعل، لكنه مشروط، يتأرجح بين فرص الانفتاح وحدود الرقابة، وبين وهم الحرية وحقيقتها النسبية.

تأسيسا على ما سبق، لا يمكن فهم الحرية الرقمية بوصفها معطى نهائيا أو مكتسبا مكتملا، وإنما هو مسار متحرك يعكس صراعا مستمرا بين الانفتاح والضبط، بين الإمكان والتقييد، فوسائل التواصل أعادت تشكيلها داخل فضاء جديد، أكثر تعقيدا وأقل وضوحا. وهكذا، تظل المرأة في قلب هذه التحولات كفاعل يعيد، عبر حضوره ومقاومته، طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام عصر حرية حقيقية، أم أمام أشكال أكثر نعومة وخفاء من السيطرة؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x