لماذا وإلى أين ؟

“تزكية مزدوجة” تثير السخرية.. مرشح يجمع بين بن عبد الله وأوزين في يوم واحد

قبل أشهر قليلة من الانتخابات المزمع تنظيمها في شتنبر 2026، استعر السباق بين الأحزاب السياسية المغربية من أجل استمالة ما بات يعرف بـ”المرشحين الكبار”، ليتحول المشهد السياسي من فضاء للنقاش والتدافع حول الأفكار والرؤى والمشاريع إلى حلبة للمنافسة والتسابق حول الأشخاص والدوائر، دون أي اعتبار لمنطق “الموقف السياسي” والتموقع الأيديولوجي أو اليسار واليمين.

ومنذ يوم أمس الثلاثاء، تداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي صورتين، الأولى جمعت الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بن عبد الله، والثانية جمعت نظيره بحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، بـ”المرشح” للانتخابات المقبلة في دائرة مقاطعة مولاي رشيد، محمد العدناني، مع الإشارة إلى أن الحزبين وافقا على تزكية نفس المرشح لنفس الانتخابات وفي نفس الدائرة.

صورتان اعتبرهما الكثيرون “فضيحة سياسية من العيار الثقيل”، توضحان كيف أصبحت الأحزاب تتنافس وتتدافع، لا من أجل تنزيل البرامج والرؤى، وإنما من أجل الظفر بمرشحين قادرين على تأمين المقعد البرلماني، وبالتالي تقوية حظوظ التمثيلية من أجل تعبيد الطريق نحو الحكومة وفقط.

وبالإضافة إلى ما سبق، تكشف هاتان الصورتان حجم الاستهتار الذي أبداه هذا المرشح بالحزبين معًا، وكيف ينظر إليهما، وكيف وافق على الحصول على التزكية منهما معًا، وربما من أحزاب أخرى أيضًا، من يدري.

وأعاد هذا النقاش إلى الواجهة الجدل القديم المتجدد والمتعلق بطريقة تدبير الأحزاب المغربية لمسألة التزكيات، والتي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ما يشبه “سوقا انتخابيا” مفتوحا، تتحكم فيه “الحسابات الرقمية والقدرة على حصد الأصوات” أكثر مما تتحكم فيه القناعة السياسية أو التاريخ النضالي أو حتى الانتماء التنظيمي للحزب.

وباتت العديد من الأحزاب، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تفتح أبوابها أمام ما يسمى بـ”الكائنات الانتخابية”، وهي شخصيات لا تربطها أي علاقة فكرية أو تنظيمية بالحزب، لكنها تمتلك النفوذ المحلي أو المال أو شبكة العلاقات القادرة على جلب الأصوات وضمان المقعد، وهو ما جعل عددا من المناضلين الحزبيين والنخب التي كانت تثري النقاش العمومي تتراجع إلى الخلف وتخلي الساحة للوافدين الجدد.

وفي أكثر من مناسبة، عبر قادة حزبيون بشكل صريح ودون أي شعور بـ”النقص أو الخجل”، عن أن الأهم بالنسبة لأي حزب هو ضمان أكبر عدد من المقاعد داخل البرلمان، ما اعتبره متابعون تكريسا لتحول الأحزاب من مؤسسات للتأطير السياسي إلى “آلات انتخابية” تبحث فقط عن الأرقام والمقاعد، وهو ما من شأنه أن تكون له انعكاسات سلبية على المستقبل المتوسط والبعيد للبلاد.

وجدير بالذكر أن هذا الواقع ساهم بشكل كبير في تعميق أزمة الثقة بين المواطنين والأحزاب السياسية، خاصة وأن الناخب أصبح يشاهد نفس الوجوه وهي تتنقل بين اليمين واليسار والإدارة والموالاة والمعارضة دون أي حرج، فقط لأن “التزكية” أصبحت أقصر طريق نحو البرلمان والمناصب والامتيازات.

ويرى متابعون أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط إفراغ العمل السياسي من مضمونه، بل أيضا ضرب ما تبقى من مصداقية الفعل الحزبي، إذ كيف يمكن الحديث عن برامج واختيارات كبرى، بينما الأحزاب نفسها مستعدة للتخلي عن كل شعاراتها مقابل مرشح قادر على الفوز بدائرة انتخابية؟

وفي مقابل ذلك، يجد عدد من الشباب والمناضلين داخل الأحزاب أنفسهم مهمشين، رغم سنوات من العمل التنظيمي والتأطير والتضحية، أمام صعود أسماء تلتحق في اللحظات الأخيرة وتحصل مباشرة على التزكية، فقط لأنها تملك “الحظوظ الانتخابية”، وهو ما حول عددا من الأحزاب إلى فضاءات مغلقة أمام الكفاءات السياسية الحقيقية ومفتوحة أمام أصحاب النفوذ والمال والأعيان.

ومع اقتراب انتخابات 2026، يبدو أن منطق “من يربح أكثر” سيواصل التحكم في جزء كبير من الخريطة الحزبية، في مشهد يؤكد مرة أخرى أن معركة عدد من الأحزاب لم تعد تدور حول إقناع المواطن بالمشروع السياسي، بل حول البحث عن أي مرشح قادر على اقتناص المقعد، حتى ولو كان الثمن هو ما تبقى من الهوية السياسية والأخلاقية لهذه التنظيمات.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

3 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
مجرد ملاحظ
المعلق(ة)
14 مايو 2026 13:04

هذا يستحق لقب مول جوج بلايص
بربماني برو ماكس

محمد
المعلق(ة)
13 مايو 2026 19:13

ودليل على أن المرشح لا يجب ان يصوت الناس عليه بل وجب لفظه لانه دو أوجه ولا يصلح ان يمثل اهل المنطقة بل وجب اقصاؤه حتى يكون عبرة

زكرياء ناصري
المعلق(ة)
13 مايو 2026 18:05

موت السياسة يعني نعي رسمي لموت الأحزاب. التي تنازلت/ تخلت عن لعب دورها الدستوري في تأطير المواطنين وصناعة نحبها . وهي نفس الأحزاب التي تتلقى دعما عموميات مقتطعا من أموال الشعب. اذن بهذا فإن كثيرا من الأحزاب تثقل ميزانية الدولة دون فائدة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

3
0
أضف تعليقكx
()
x