لماذا وإلى أين ؟

صدمة في الجزائر وارتباك في تندوف: كيف بعثر موقف قطر أوراق “البوليساريو” بعد اعتداء السمارة؟

بينما تتوالى الإدانات الدولية للاعتداءات التي استهدفت المدنيين في مدينة السمارة، برز موقف دولة قطر كعلامة فارقة أحدثت رجة في أوساط جبهة البوليساريو، ودفعتها إلى محاولة الرد عبر ممثلها في أستراليا في خطوة تعكس حجم الارتباك السياسي الذي يعيشه هذا التنظيم.

إن هذا التفاعل السريع، والمثير للاستغراب، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العميقة التي شهدتها خارطة التحالفات الإقليمية، حيث وجدت الجبهة وداعمها الرئيسي في الجزائر أنفسهم أمام واقع جديد لم يعد يترك مجالاً للمناورة أو التبرير.

لقد شكل الموقف القطري صدمة مزدوجة، ليس فقط لكون الدوحة دولة تحظى بوزن دبلوماسي كبير، بل لأنها ترتبط بشراكة استراتيجية وعلاقات اقتصادية وثيقة مع الجزائر. هذا التقارب، الذي راهنت عليه الجزائر طويلاً ليكون غطاءً سياسياً لمواقفها في ملف الصحراء، اصطدم بواقع المصلحة الوطنية القطرية والالتزام بمبادئ القانون الدولي التي تدين استهداف المدنيين.

وبدلاً من أن تنجح الجزائر في استمالة الموقف القطري، جاء بيان الدوحة ليؤكد أن الثوابت السيادية للمملكة المغربية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من رؤية المجتمع الدولي للأمن والاستقرار الإقليمي، وهو ما فسره مراقبون على أنه رسالة قطرية واضحة بأن الشراكة الاقتصادية مع الجزائر لا تعني بالضرورة تبني أجندتها في ملف الصحراء.

إن الرد الصادر عن ممثل البوليساريو في أستراليا، والذي حاول جاهداً استحضار مبررات قانونية واهية لاستقاء الشرعية من واقع “حالة الحرب” المزعومة، جاء هزيلاً ومكشوفاً. فالمحاولات الرامية لإضفاء صبغة القانون الدولي على هجمات تستهدف أحياء سكنية، لا تعدو كونها مناورة يائسة للتغطية على حالة العزلة الدولية المتزايدة.

فالمجتمع الدولي اليوم، بما فيه الدول التي كانت توصف سابقاً بـ “الحليفة”، أصبح ينظر إلى هذا النزاع من زاوية واحدة لا تقبل التأويل: ضرورة إنهاء النزاع من خلال دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي الوحيد لطي صفحة هذا الملف تحت السيادة المغربية.

إن توجيه البوليساريو لسهام انتقادها نحو قطر، وتجاهل العديد من المواقف الدولية الأخرى، يكشف أن التنظيم يشعر بـ “خيانة الثقة” من قِبل حلفاء إقليميين كان يعتقد أنهم سيظلون خارج دائرة التأييد للموقف المغربي. إلا أن الحقيقة التي باتت تفرض نفسها هي أن القوى الإقليمية والدولية أدركت أن مسار التنمية والاستقرار في المنطقة يمر حتماً عبر دعم الوحدة الترابية للمغرب.

ومن هنا، يتبين أن “الرد” القانوني الذي حاول ممثل الجبهة في أستراليا صياغته لم يكن سوى محاولة لامتصاص الصدمة الجزائرية من موقف الدوحة، وهي صدمة تؤكد أن جبهة البوليساريو باتت محاصرة داخل حلقة مفرغة من العزلة، بعد أن فقدت آخر أوراق الرهان على التوازنات الإقليمية التقليدية التي أثبتت الأيام أنها لم تعد صالحة لمواجهة دينامية الواقع الجديد.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x