لماذا وإلى أين ؟

من كورونا إلى الهانتا… هل رصّدنا فعلاً ما تعلمناه؟

الدكتور عز الدين الإبراهيمي

في الأيام الأخيرة، تلقيت اتصالات متعددة من صحفيين وإعلاميين و أسئلة كثيرة من أفراد عائلتي و أصدقائي… يستفسرونني عن فيروس الهانتا و خطورته… ووجدتني قبل أن أجيبهم… أسأل نفسي السؤال ذاته و أزيد عليه… هل ما تعلمناه خلال محنة الكوفيد كاف لمواجهة الهانتا؟

والجواب الذي أطمئن به الجمهور العريض اليوم هو… نعم ما تعلمناه من أزمة كوفيد كافٍ لمواجهة هذه اللحظة، شرط أن نُحسن توظيفه… فكل فرد منا اليوم يعرف ما يجب فعله حتى لا نؤدي الثمن جماعيا… و الإحساس بالخوف والفزع مفهوم لمن عاش تجربة كورونا المريرة… و لكن هذه المواجهة لا يجب أن تدار بالصمت ولا بالضجيج بل بالوضوح العلمي الهادئ الذي يجمع بين المعرفة والقدرة على الإيصال، بما يؤدي إلى استجابة العموم للتوصيات الوقائية… و بكل ثقة…

لكن هذا التطمين نفسه يقودني إلى أسئلة أعمق… هل فعلا… ثمّنّا تلك التجربة القاسية كأفراد ومؤسسات وحوّلناها إلى رأسمال دائم؟ هل رصدنا دروسها وأسّسنا على متنها؟ هل فعلاً حافظنا على النَّفَس العلمي الذي ميّز المغرب إبان كوفيد؟

بالفعل… لقد أثبتت جائحة كوفيد-19 أن المغرب قادر على بناء استجابة علمية وطنية محترمة دولياً… تجمع بين اليقظة والتحليل والتواصل ودعم القرار في لحظات عدم اليقين… تجربة لم تكن ظرفية بل كانت لحظة تأسيسية كشفت عن طاقات وكفاءات وطنية حقيقية… والترصيد لا يعني فقط توثيق ما جرى بل يعني تحويل ما راكمناه إلى بنية مستدامة… بمعنى خبرات تتراكم لا تتبدد، وشبكات تتعزز لا تتفكك، ويقظة علمية مستمرة لا تنتظر الأزمة القادمة…

واليوم، ونحن نُثمّن دور وزارة الصحة والدور المحوري المرتقب للهيئة العليا للصحة… يجب أن نقرّ بأن المؤسسات الرسمية لا يمكنها وحدها احتضان كل الطاقات والكفاءات التي بصمت تاريخ المغرب الصحي في أصعب لحظاته…

نعم… يجب علينا أن نقرّ… بأن الاستمرارية العلمية لا تُبنى بمؤسسة واحدة مهما اتسعت بل بمنظومة متكاملة تضم فضاءات مستقلة للتفكير والاستشراف، تحفظ الرأسمال البشري والعلمي وتُجدد اشتغاله…

ومن هذا المنطلق… نقترح إطلاق “المرصد المغربي للسيادة العلمية والصحية” كإطار وطني مستقل يرتكز على:

– الترصيد: تحويل تجربة الجائحة إلى ذاكرة مؤسسية حية لا إلى أرشيف

– الاستمرارية: ضمان يقظة علمية دائمة لا تنتظر وقوع الأزمة

– الاستباقية: بناء السيادة الصحية في زمن الهدوء لا في زمن الطوارئ

– الاقتراحية: تثمين الكفاءات الوطنية في دعم القرار العلمي الاستراتيجي

وفي الأخير… و كما أكدنا مرارا، فالسيادة العلمية والصحية لا تُبنى عند وقوع الأزمات… بل تُبنى بالاستمرارية، والترصيد، والثقة في الكفاءات الوطنية… و من هنا فالدعوة مفتوحة لكل الكفاءات الوطنية، داخل المغرب وخارجه، للانخراط في هذا الورش الجماعي…

والله ولي التوفيق…

  • البروفيسور عز الدين الإبراهيمي؛ مدير مختبر التكنولوجيا الحيوية الطبية بكلية الطب والصيدلة بـجامعة محمد الخامس بالرباط، وشغل عضوية اللجنة العلمية والتقنية الوطنية الخاصة بمتابعة جائحة كوفيد-19.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x