لماذا وإلى أين ؟

صفقات عمومية ضخمة خارج يد المقاولات المغربية.. هل تُفرغ الإدارات العمومية “الأفضلية الوطنية” من مضمونها؟

عبد الله الغول

يتواصل الجدل في الأوساط الاقتصادية والمهنية بالمغرب حول مدى احترام الإدارات والمؤسسات العمومية لمبدأ “الأفضلية الوطنية” داخل الصفقات العمومية، في ظل تزايد الانتقادات الموجهة لعدد من القطاعات التي ما تزال تُسند مشاريع كبرى لشركات أجنبية، رغم وجود مقاولات مغربية تؤكد امتلاكها للخبرة والكفاءة الكافيتين لتنفيذ هذه المشاريع.

وكانت الحكومة قد أصدرت خلال السنوات الأخيرة توجيهات رسمية تدعو إلى تشجيع المنتوج والمقاولة المغربيين من خلال منشور رئيس الحكومة عدد 15/2020، خاصة بعد التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، التي أعادت النقاش حول ضرورة تقوية السيادة الاقتصادية الوطنية وتقليص التبعية للخارج. غير أن عددا من المهنيين يعتبرون أن هذه التوجيهات بقيت حبرا على ورق داخل العديد من الإدارات العمومية.

ويشير فاعلون اقتصاديون إلى أن عددا من الصفقات العمومية الكبرى، خصوصا في مجالات البنيات التحتية والتجهيزات والخدمات التقنية، تُمنح في كثير من الأحيان لتحالفات أو شركات أجنبية، حتى في الحالات التي تتوفر فيها شركات مغربية قادرة على المنافسة. ويؤكد هؤلاء أن المقاولة الوطنية تجد نفسها في مواجهة شروط تقنية ومالية “تعجيزية” تجعل حظوظها محدودة منذ البداية، خاصة في مجلات البناء والموانئ على وجه المثال لا الحصر.

ومن بين أبرز الانتقادات المطروحة، اعتماد بعض الإدارات على دفاتر تحملات تتضمن معايير مرتبطة بتجارب دولية أو أرقام معاملات ضخمة أو شهادات تقنية محددة، وهو ما يُقصي تلقائيا عددا كبيرا من المقاولات المغربية، خاصة الصغرى والمتوسطة. ويرى مهنيون أن هذه الشروط تُفصل أحيانا بطريقة تخدم شركات بعينها وتحد من مبدأ تكافؤ الفرص.

كما يثير هذا الوضع مخاوف متزايدة بشأن مستقبل النسيج المقاولاتي الوطني، في وقت تواجه فيه آلاف الشركات المغربية صعوبات مالية متراكمة بسبب ارتفاع التكاليف وضعف السيولة وتأخر الأداءات. ويعتبر اقتصاديون أن حرمان المقاولات المحلية من الاستفادة من الطلب العمومي يفاقم هشاشتها ويؤثر بشكل مباشر على مناصب الشغل والاستثمار.

ويؤكد متتبعون للشأن الاقتصادي أن الدولة، باعتبارها أكبر فاعل اقتصادي ومصدر رئيسي للصفقات العمومية، مطالبة بلعب دور محوري في دعم الشركات الوطنية، ليس فقط عبر الخطابات الرسمية، بل من خلال إجراءات ملموسة تمنح الأفضلية الفعلية للمقاولات المغربية كلما توفرت الكفاءة والجودة المطلوبة.

في المقابل، ترى بعض الإدارات أن اللجوء إلى الشركات الأجنبية يكون أحيانا مبررا بالحاجة إلى خبرات متخصصة أو تكنولوجيا متقدمة أو تمويلات مرتبطة بشركاء دوليين. كما تؤكد أن قانون الصفقات العمومية يقوم أساسا على مبدأ حرية المنافسة واختيار العرض الأفضل من حيث الجودة والكلفة، دون تمييز على أساس الجنسية.

غير أن هذا الطرح لا يتعارض بالضرورة مع دعم المقاولة الوطنية، حيث يمكن الاستشهاد بتجارب دول كبرى تعتمد آليات قانونية واضحة لحماية أسواقها الداخلية ومنح أفضلية لشركاتها المحلية في المشاريع العمومية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية. حيث أن المغرب بدوره مطالب بإيجاد توازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية مصالحه الوطنية.

ويحذر مهنيون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إضعاف تنافسية المقاولات المغربية على المدى الطويل، خصوصا في ظل استحواذ شركات أجنبية على مشاريع بملايير الدراهم، بينما تكتفي الشركات المحلية بأدوار ثانوية أو كمناولين. كما يشيرون إلى أن جزءا مهما من الأرباح المرتبطة بهذه المشاريع يغادر البلاد نحو الخارج بدل إعادة استثماره داخل الاقتصاد الوطني.

ويطالب فاعلون اقتصاديون بإعادة النظر في طريقة إعداد دفاتر التحملات، ووضع آليات مراقبة أكثر صرامة لضمان احترام مبدأ الأفضلية الوطنية، مع إلزام الإدارات بتبرير اللجوء إلى الشركات الأجنبية في حال توفر بدائل مغربية مؤهلة. كما يدعون إلى تخصيص نسبة من الصفقات العمومية للمقاولات الوطنية الصغرى والمتوسطة من أجل دعمها وتقوية قدرتها التنافسية.

وفي ظل هذا النقاش المتصاعد، يبدو أن ملف الأفضلية الوطنية سيظل مطروحا بقوة خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع الرهانات الاقتصادية الكبرى التي يعيشها المغرب، والتحضيرات المرتبطة بالمشاريع الضخمة والبنيات التحتية المستقبلية. وبين من يدافع عن الانفتاح الكامل على المنافسة الدولية ومن يطالب بحماية المقاولة المغربية، يبقى السؤال المطروح: هل تتحول الأفضلية الوطنية إلى التزام فعلي أم تظل مجرد شعار داخل الوثائق الرسمية؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x