2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
فوزي السعيدي
يعدّ الحق في التقاضي أحد أهم الحقوق الدستورية والركائز الديمقراطية التي تقوم عليها دولة الحق والقانون، باعتباره الوسيلة الأساسية لحماية الحقوق والحريات وضمان العدالة بين الأفراد والمؤسسات. وقد حرص الدستور المغربي لسنة 2011 على تكريس هذا الحق من خلال مجموعة من المقتضيات الدستورية التي تؤكد على مبدأ الولوج الحر والعادل إلى القضاء دون قيود تمس جوهره أو تحدّ من فعاليته. غير أن المادة 31 من قانون المحاماة تثير نقاشا دستورياً واسعاً بسبب ما تضمنته من إلزامية التمثيل بواسطة محام أمام القضاء بالنسبة للأشخاص الذاتيين والمعنويين والمؤسسات والشركات، مع استثناء الدولة والإدارات العمومية من هذه الإلزامية. الأمر الذي يطرح إشكال عميقا حول مدى انسجام هذه المادة مع المبادئ الدستورية للمملكة المرتبطة بحق التقاضي والمساواة ومجانية العدالة.
تنص المادة 31 من قانون المحاماة على أنه: “لا يسوغ أن يمثل الأشخاص الذاتيون والمعنويون والمؤسسات العمومية وشبه العمومية والشركات أو يؤازروا أمام القضاء إلا بواسطة محام، ما عدا إذا تعلق الأمر بالدولة والإدارات العمومية…”. ويستفاد من هذا النص أن المشرع جعل اللجوء إلى المحامي شرطاً لازماً لممارسة حق التقاضي بالنسبة لغالبية المتقاضين، في حين منح الدولة والإدارة العمومية حرية الاختيار بين التمثيل بواسطة محام أو بواسطة موظفيها.
إن أول أوجه عدم الدستورية في هذه المادة يتمثل في تعارضها مع الفصل 118 من الدستور المغربي، الذي ينص على أن “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون”. فالمشرع الدستوري عندما قرر ضمان حق التقاضي، قصد بذلك تمكين جميع المواطنين من الولوج إلى القضاء دون عراقيل مادية أو إجرائية من شأنها أن تجعل هذا الحق محصورا على فئة دون أخرى. غير أن إلزامية المحامي قد تتحول في الواقع العملي إلى قيد مالي واجتماعي يمنع العديد من المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، من ممارسة حقهم في التقاضي بسبب عدم قدرتهم على تحمل أتعاب الدفاع. وبالتالي فإن الإلزام بالمحامي يجعل الحق الدستوري في التقاضي حقاً نظرياً بالنسبة لفئات واسعة من المجتمع.
كما أن المادة 31 تتعارض مع الفصل 121 من الدستور الذي ينص على أن “التقاضي مجاني في الحالات المنصوص عليها قانوناً”، وهو ما يعكس توجه المشرع الدستوري نحو تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بالولوج إلى العدالة. فإذا كان الأصل هو تسهيل ولوج الأفراد إلى القضاء، فإن فرض الاستعانة بمحام يؤدي عملياً إلى تحميل المتقاضي تكاليف إضافية قد تفوق أحياناً قيمة الحق المتنازع بشأنه. ومن ثم فإن إلزامية المحامي تتناقض مع فلسفة مجانية التقاضي ومع الغاية الاجتماعية التي يسعى الدستور إلى تحقيقها من خلال تقريب العدالة من المواطنين، ثم إن العدالة ليست ملكا للمحامي حتى يتم تقيد الولوج إليها عن طريق الإلزامية بل إنها ملك للجميع ولعموم المواطنين والمواطنات بغض النظر عن اختلاف مشاربهم وفئاتهم الاجتماعية.
ويظهر وجه آخر لعدم الدستورية في الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه دستورياً، إذ إن المادة 31 ميزت بين المواطنين والإدارة العمومية. ففي الوقت الذي ألزمت فيه الأفراد والشركات والمؤسسات بالاستعانة بمحام، أعفت الدولة والإدارات العمومية من هذا الالتزام، ومنحتها إمكانية الترافع بواسطة موظفيها. وهذا التمييز لا يجد مبرراً موضوعياً كافياً، لأن مبدأ المساواة يقتضي خضوع جميع المتقاضين للقواعد نفسها أمام القضاء. فإذا كان الهدف من إلزامية المحامي هو ضمان حسن سير العدالة وجودة الدفاع، فإن هذا المبرر ينبغي أن يسري على الجميع دون استثناء، أما إذا كان السماح للإدارة بالترافع بواسطة موظفيها ممكناً، فمن باب أولى توسيع هذا الحق ليشمل المواطنين كذلك.
ومن الناحية العملية، فإن العديد من المنازعات البسيطة لا تستدعي بالضرورة تدخلاً إلزامياً لمحام، خاصة في القضايا التي تكون وقائعها واضحة أو ذات طابع اجتماعي وإداري بسيط. لذلك فإن الإبقاء على الإلزام المطلق بالمحامي يثقل كاهل المتقاضين ويؤدي إلى بطء المساطر وتعقيد الإجراءات، بدل تحقيق الغاية الأساسية من العدالة المتمثلة في السرعة والفعالية والإنصاف.
وعليه، فإن إعادة النظر في المادة 31 من قانون المحاماة أصبحت ضرورة تشريعية ودستورية، بما يحقق التوازن بين دور المحامي في حماية حقوق الدفاع وبين حق المواطنين في الولوج الحر إلى القضاء. ويمكن أن يتجه المشرع نحو جعل الاستعانة بمحام أمراً اختيارياً في القضايا، أو توسيع قاعدة الاستثناء لتشمل موظفي الإدارة القضائية وموظفي الدولة، بل وحتى عموم المواطنين في القضايا التي لا تتطلب تعقيداً قانونياً كبيراً.
وخلاصة القول، فإن المادة 31 بصيغتها الحالية تثير إشكالاً دستورياً حقيقياً بسبب تعارضها مع الفصلين 118 و121 من الدستور المغربي، إضافة إلى مساسها بمبدأ المساواة والولوج العادل إلى العدالة. لذلك فإن إصلاح هذه المادة لم يعد مجرد خيار تشريعي، بل أصبح ضرورة لضمان انسجام قانون المحاماة مع روح الدستور ومبادئ دولة الحق والقانون.
فوزي السعيدي؛ باحث في الشؤون القانونية
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.