لماذا وإلى أين ؟

صليب لحسن السعدي يورط الدبلوماسية في خطأ كارثي (صور)

وضعت الزيارة الأخيرة التي قام بها كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، لحسن السعدي، إلى العاصمة اليونانية أثينا الدبلوماسية الموازية للحكومة المغربية أمام موجة عارمة من الانتقادات والجدل الأكاديمي والسياسي، بعد ارتكابه لخطأ بروتوكولي جسيم.

ولم يقتصر الجدل هذه المرة على طبيعة التموقع السياسي للمسؤول الشاب، بل تعداه ليمس بجوهر الكفاءة البروتوكولية والمعرفية في إدارة ملفات العلاقات الخارجية، إثر تقديم “هدية رسمية” اعتبرها مراقبون سقطة اتصالية ومعرفية غير محسوبة العواقب.

الهدية التي قدمها المسؤول الحكومي المغربي إلى بابا ورئيس الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، لم تورط كاتب الدولة وحده في حرج معرفي وعقائدي، بل امتدت لتشمل وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، فضلاً عن السفارة المغربية في أثينا، والتي يفترض بها الإشراف الدقيق على أدق تفاصيل البروتوكول والهدايا المتبادلة لمنع أي لبس أو تأويل سياسي أو ديني.

وتشير القراءة التحليلية لتفاصيل الواقعة إلى أن الخطأ لم يكن مجرد هفوة عابرة، بل تجاوز ذلك ليعكس – حسب منتقدي الوزير – “جهلاً عميقاً” بالامتدادات التاريخية والعقائدية للمنطقة المضيفة؛ ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه إبراز الغنى الثقافي والصناعة التقليدية المغربية ذات الأبعاد الكونية، تم اختيار هدية تحمل رمزية “الصليب اللاتيني الكاثوليكي” لتقديمها إلى مرجعية روحية تمثل “الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية”.

وتكمن خطورة هذه الهفوة في كونها مست وتراً حساساً في التاريخ الأوروبي والشرقي؛ فالكنيسة اليونانية الأرثوذكسية تمتلك هوية بصرية وعقائدية صارمة تميزها عن الكنيسة الغربية الكاثوليكية، حيث يتخذ “الصليب اليوناني” شكلاً هندسياً متساوي الأذرع، وهو أقدم تاريخياً ويشير في أدبياتهم إلى أركان الأرض الأربعة وانتشار الإنجيل، وهو مغاير تماماً في الشكل والدلالة للصليب اللاتيني المستطيل.

إهداء صليب كاثوليكي (غربي) في قلب أثينا الأرثوذكسية (الشرقية) يتجاوز حدود “الخطأ العقدي الفردي”، ليصطدم مباشرة بمساحة جيوسياسية شديدة التعقيد. فالتاريخ المشترك بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي مثقل بقرون من الصراعات اللاهوتية والسياسية الحادة، والتي كانت في محطات تاريخية عديدة أحد أهم أسباب الصراعات والحروب الطاحنة والانقسامات بين اليونان وباقي الدول الأوروبية الغربية المسيحية الكاثوليكية.

وبناءً عليه، فإن تقديم رمز يرتبط بالمرجعية الغربية لزعيم روحي شرقي، يُفسر في العرف الدبلوماسي والديني إما كنوع من “الاستفزاز الرمزي غير المقصود” أو كدليل على “الجهل المطبق” بالخصوصيات الثقافية للدول، وهو ما يضعف مصداقية الوفود الرسمية التي ينبغي أن تكون على دراية تامة ببروتوكولات الأديان والمذاهب لتفادي إحراج الدولة التي تمثلها.

وتطرح هذه النازلة تساؤلات حارقة في الأوساط السياسية بالرباط حول أدوار أجهزة الطاقم الدبلوماسي المصاحب، لاسيما مؤسسة السفارة المغربية بأثينا، المنوط بها مراجعة وتدقيق قائمة الهدايا وفحص دلالاتها قبل أي نشاط رسمي لضمان ملاءمتها مع ثقافة البلد المضيف. كما تسلط الضوء مجدداً على المعايير المعتمدة في اختيار مستشاري الدواوين الوزارية، في ظل انتقادات سابقة واجهت كاتب الدولة بشأن “شبهات المحسوبية” والاعتماد على الأصدقاء والمقربين في التعيينات الأخيرة داخل قطاعه بدلاً من الكفاءات التكنوقراطية المتخصصة.

واقعة “هدية أثينا” تقدم درساً بليغاً في ضرورة إخضاع مسؤولي الدبلوماسية الحزبية والموازية لتكوينات مكثفة في التعددية الثقافية والدينية والبروتوكول الدولي، تجنباً لزلات معرفية قد تحول مبادرات التقارب الثقافي والاقتصادي إلى أزمات صامتة تُسيء لسمعة الرصيد الدبلوماسي العريق للمملكة المغربية.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x