2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
حميد عسلي*
في إحدى ليالي الشتاء الممطرة حين كانت المدينة تستعد للنوم، جلس خمسة أصدقاء، خريجو المدرسة الوطنية للإدارة بالرباط ودكاترة في القانون حول طاولة صغيرة، يناقشون فكرة بدت في البداية مجرد حلم أكاديمي عابر. لم يكن في المشهد ما يوحي بأن تلك الجلسة ستتحول لاحقاً إلى اختبار حقيقي لعلاقة المواطن بالإدارة، وللمسافة الفاصلة بين النص القانوني والممارسة اليومية.
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، إنشاء مركز للدراسات والأبحاث القانونية والوساطة والتحكيم. فضاء يجمع الباحثين وينفتح على النقاش القانوني ويؤمن بأن المعرفة القانونية ليست ترفاً أكاديمياً، بل أداة لبناء مجتمع أكثر وعياً بحقوقه ومؤسساته. ومع امتداد النقاش، بدأت الفكرة تتخذ ملامح أكثر جدية، إلى أن اتفق المجتمعون على تشكيل لجنة تحضيرية تتولى إعداد الوثائق اللازمة للمؤتمر التأسيسي، حيث أمضت هذه اللجينة اجتماعات عديدة فيما بعد، كلها عن بُعد، دققت من خلالها كل الوثائق المطلوبة في إطار من النقاش المسؤول والمتحضر، وبآمال تتسع ما اتسعت عليه سماء المغرب الحبيب..
وهكذا بدأت الرحلة، فبعد إعداد مشروع القانون الأساسي وتجميع الوثائق ومرور شهور على ذلك، بدأ التنزيل على أرض الواقع، فتم التواصل مع دار الشباب من أجل احتضان الجمع العام التأسيسي وبعد انتظار الموافقة، تم تحديد التاريخ وإخبار السلطات المحلية وفق ما تقتضيه المساطر القانونية المنظمة لتأسيس الجمعيات. انعقد الجمع العام في أجواء أكاديمية مسؤولة، وتم انتخاب المكتب المسير، ليدخل المركز مرحلة جديدة وهي مرحلة المساطر الإدارية.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، القانون واضح، فالتشريع المغربي خاصة بعد اعتماد قانون تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، يفترض أن يضع المواطن أمام إدارة حديثة، مرنة، تحترم الزمن الإداري وتحفظ كرامة المرتفق، لكن الواقع أحياناً يكتب نصاً من زمن آخر.
فالمطلوب إيداع ملف التصريح القانوني مرفوقاً بحزمة من الوثائق كالقانون الأساسي ولائحة الأعضاء ونسخ من البطاقات الوطنية للأعضاء وإشهاد من دار الشباب بقبول اتخاذ مقرها مقراً للجمعية ورسالة التصريح الموجهة للسلطات المحلية وكل ذلك في ست نسخ مع المصادقة على الوثائق.
حمل الرئيس المنتخب للمركز الملف وتوجه إلى الملحقة الإدارية التابعة لمحل سكناه من أجل المصادقة عليها، غير أن الموظف رفض القيام بالإجراء، بدعوى أن الجمع العام انعقد في نطاق ملحقة إدارية أخرى وأن عليه التوجه إليها رغم أن الملحقتين تنتميان إلى نفس المدينة ونفس الجماعة.
لم يناقش الرئيس كثيراً، بل أخذ الرجل الملف وتوجه إلى منزله فالوقت لا يسمح وغداً سنتوجه إلى الملحقة الأخرى.
هناك، كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف صباحاً، المرفق فارغ تماماً وبعد ساعة من الانتظار جاءت الموظفة، تقدم الرئيس إلى الموظفة المكلفة بالمصادقة، فاستقبلته بتردد وأسئلة متلاحقة ونظرات شك، قبل أن تطلب منه العودة بعد الزوال لأنها “منشغلة بأعمال أخرى”. الغريب أنها لم يمضِ على التحاقها بالعمل سوى دقائق قليلة ولا يوجد بالملحقة غير الرئيس، طلب منها مرة أخرى بكل أدب أنه يمكنه الانتظار حتى تنتهي، وحين حاول توضيح الأمر، أعادت إليه الملف بكل برودة وقالت: “إذا كان لا بد، فاذهب إلى الملحقة الأخرى، هناك ثلاثة موظفين سيقومون لك بالمطلوب دون انتظار”.
في صمت مطبق ودون رد يذكر، لملم الرئيس أوراق الملف وذهب إلى العنوان المقترح حيث سيكتشف أنها خدعة “حامضة” فالملحقة الإدارية جديدة أصلاً، ولا يوجد بها أي موظف مكلف بالمصادقة على الوثائق. أحد الموظفين هناك نصحه بالتوجه إلى مقر الجماعة.
وفي الجماعة، بدأت جولة أخرى من الانتظار، الموظفون يقومون بعملهم على أحسن وجه والمواطنون في انتظام يتقدمون الواحد تلو الآخر.. المهم بعد أن حل دوره، تسلم الموظف الملف وشرع في إجراءات المصادقة، لكنه توقف فجأة قائلاً: “يا صديقي كان عليك أن تصادق عليها في ملحقة سكنك”. وحين أخبرته بما وقع، بدت علامات الاستغراب عليه، قبل أن يقول بصراحة: “هذا غير لائق” ولا يجب أن يمر مرور الكرام.
طلب مني الصعود معه إلى مكتب المدير، وعرض عليه الواقعة، كان رد المدير مختلفاً هذه المرة لقد غضب من طريقة التعامل واعتذر لي ثم طلب من الموظف إتمام الإجراءات، لم يخفِ المدير ولا الموظف أسفهما لاستمرار مثل هذه العقليات داخل بعض المرافق الإدارية، خاصة بعدما اطلعا على لائحة أعضاء المركز واكتشفا أن المؤسسين سبعة دكاترة في القانون.
لكن السؤال هنا أعمق من مجرد واقعة إدارية عابرة، ما جدوى النصوص القانونية حين تصطدم بعقلية تعتبر نفسها فوق القانون؟ وما معنى الحديث عن تبسيط المساطر إذا كان المواطن لا يزال يتنقل بين الإدارات بحثاً عن توقيع أو خاتم أو موظف “يريد فقط أن يقوم بعمله”؟
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن دائماً في غياب القوانين، بل أحياناً كثيرة في ضعف استيعاب فلسفتها داخل بعض المرافق العمومية التي لا زالت تشتغل بمنطق الأمس في زمن اليوم، زمن الرقمنة والإدارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، فالمواطن اليوم لا يطالب بالامتيازات، بل فقط بتطبيق القانون كما هو، ورئيس المركز، بحكم تكوينه القانوني يدرك جيداً أن ما تعرض له يدخل ضمن حالات الشطط والامتناع غير المبرر عن أداء الخدمة. لكنه كان يدرك أيضاً أن النقاش مع بعض العقليات يتحول إلى مواجهة عبثية، لأن البعض يتعامل مع الإدارة باعتبارها سلطة شخصية لا مرفقاً عمومياً.
فنحن نتحدث عن الإدارة الإلكترونية وعن التحول الرقمي وعن تقليص الوثائق، لكن الواقع لا يزال يطالب المواطن بست نسخ والتنقل بين الإدارات تحت حرارة تقترب من الأربعين درجة بينما كان بالإمكان، بكل بساطة أن تتم هذه العملية عبر منصة إلكترونية موحدة تختصر الوقت وتحفظ الجهد والكرامة وتكرس الحكامة الجيدة في تدبير الزمن الإداري.
ومع ذلك، لن نتراجع عن الحلم، لقد استكملت الوثائق وتم إيداع الملف وبات المركز ينتظر المرحلة الموالية من المسطرة القانونية بما فيها البحث الإداري الذي تشرف عليه الجهات المختصة. وبين الانتظار والأمل، يبقى السؤال معلقاً هل نملك فعلاً إرادة تحديث الإدارة أم أننا لا نزال نحمل عقلية الأمس داخل مؤسسات يفترض أنها مؤسسات الغد؟
حتى يتم الجواب على هذا السؤال، سيظل الأمل قائماً، أمل في مغرب حديث لا تقاس فيه قيمة المواطن بعدد الأختام التي يحملها ولا بعدد الأبواب التي يطرقها، بل بقدرته على المبادرة والإبداع والمساهمة في بناء الوطن. لبناء مغرب بقوانين متقدمة وبعقليات وطنية تؤمن أن الإدارة خُلقت لخدمة المواطن لا لاختبار صبره.
ملاحظة: نحن في أيام مباركة، ونتمنى لكل المغاربة عيداً سعيداً، حتى لهؤلاء الذين يجهلون ما يفعلون، ويسيئون أكثر مما يصلحون، والمفارقة أنك قد تجدهم غداً، في يوم عرفة، تجدهم صائمين ولله رافعين أيديهم إلى السماء، يرجون قضاء حوائجهم مع أنهم نسوا قضاء حوائج العباد. تقبل الله من الجميع.
*باحث في القانون والعلوم السياسية
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه