2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
وجب التأكيد، بدءاً، أن مجال الملكية الأدبية والفنية خلو من أي تحديد علمي لمفهوم “السرقة الأدبية”. من هذا المنطلق، كان لا بد لتحديد هذا المفهوم من إعمال قاعدة “تعريف الشيء بضده”، المستخلصة من الآلية المنطقية التي تقضي بـ “مقابلة الضدين بعضهما بعضاً”؛ وذلك حتى يتسنى لنا الوقوف على عناصر المفهوم المراد تحديده.
وغني عن البيان، أن ضد فعل “السرقة” يتحدد في فعل “الحماية”، وأن هذه الأخيرة لا تقوم لها قائمة إلا إذا توافرت مجموعة من الشروط، يتمثل أساسها في عنصر الأصالة والابتكار باعتباره انعكاساً وأثراً لشخصية المؤلف في المصَنَّف بمفهومه الواسع الذي يشمل الكتابة والخطب والمحاضرات وغيرها.
ويتأدى هذا العنصر، حسب بعض الفقه، في “تميز الإنتاج الفكري أو الخلق الذهني بطابع معين يبرز شخصية معينة لصاحبه، سواء في جوهر الفكرة المعروضة، أو في مجرد طريقة العرض أو التغيير أو الترتيب أو التبويب أو الأسلوب”.
ولا يكفي عنصر الابتكار في حماية أي مصنف أو مؤلف أدبي أو علمي، وإنما يتعين فيه، حسب رأي فقهي آخر، أن “يتحقق [أي الابتكار] في جانب الإنشاء أو في جانب التعبير أو في كليهما معاً: فمصنفات الدرجة الأولى، والتي لا تدين بالتبعية لأي عمل سابق تكون مبتكرة إنشاء وتعبيراً؛ أما مصنفات الدرجة الثانية أو المشتقةّ، فتتوافر فيها الخاصية المذكورة إما إنشاء (..) أو تعبيراً (..)”.
من هنا، يتبين أن “السرقة الأدبية”، هي كل فعل انصب على عنصر “الابتكار” الذي يطبع: إما إنشاء المصنف من الأساس، أو “فكرة إنشائه” بمعناها الوظيفي، أي الغرض منه؛ أو مجرد طريقة التعبير عنها، سواء اتخذ هذا التعبير شكل عرض لها، أو تغييرها، أو ترتيبها، أو تبويبها؛ وإما هما معاً.
فوفق هذا المعنى، يتضح أن الأفكار المجردة تبقى غير مشمولة بحماية الملكية الفكرية، وبالتالي لا يتصور وقوع سرقة عليها، طالما أنها “لا تقبل أي تملُّك أو استئثار، بحسبانها جزءاً مكوناً للتراث العام، مثل الطبيعة أو التاريخ، أو المعارف المكتسبة”.
وهذا عينُ ما أكده المشرع المغربي في المادة 8 من قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، شأنه شأن باقي التشريعات اللاتينية – الجرمانية المقارنة، حيث استثنى، صراحة، الأفكار المجردة من الحماية ولو سبق الإعلان عنها ووصفها وشرحها ورسمها أو إدماجها في مصنف ما.
عبد الرزاق الجباري