2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
د.عالي أوتشرفت*
يتضح للمتتبع للشأن السياسي والاقتصادي التوجه الذي تسير فيه الحكومة المغربية منذ تنصيبها بتاريخ 7 أكتوبر 2021، حيث انتشرت مظاهر الاحتكار الاقتصادي والمضاربة والتواطؤ بين كبار رجال الأعمال والتجار المنعم عليهم وكذا كبار الفلاحين الذين يملكون كل شيئ الا الحس الوطني والشعور الأخلاقي بمعاناة الفقراء، فبالرغم من اطلاق الحكومة لشعارات براقة وكبيرة تحيت يافطة الدولة الاجتماعية والدعم الاجتماعي وغيره من المشاريع التي رصدت لها ميزانيات ضخمة من أموال الدولة، الا أن الأثر الاجتماعي الحقيقي لهذه المشاريع الموجة أساسا للتخفيف من الفقر والهشاشة الاقتصادية ليس لها أثر ملموس، يكفي الوقوف عند المؤشرات الرسمية المقدمة من طرف المندوبية السامية للتخطيط لنقف عند حجم الكارثة التي حلت بالأسر المغربية، حيث لم تعد فئات واسعة من المغاربية الذين يعانون ويشتغلون بكد قادرين على مواكبة ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، والذي مس كل شيء، بما في ذلك الطبقة المتوسطة التي كانت الى حد قريب قادرة على تأمين بعض من احتياجاتها اليومية وتوفير قسط من الرفاه لأبنائها.
يلاحظ اليوم أننا في المغرب أمام استثمار خاص جبان ويمكن نعته بأنه ينتهج التلاعب المافيوزي، لأن أغلب الاستثمارات والمشاريع هي من البرامج منبثقة عن الدولة وبأموال ضخمة، اذ يصل حجم الاستثمار العمومي في المغرب إلى 380 مليار درهم، حيث يمثل عادة حوالي (66%) إجمالي الاستثمارات الوطنية، فرجال الأعمال والتجار لا يستثمرون ولو درهم من أموالهم الخاصة في المشاريع الكبرى التي توفر الشغل والحاجيات الأساسية للمغاربة، بل هو استثمار متواطؤ مع مسيري الشأن العام، والمفاجئة الأكثر دراماتيكية في هذه الحكومة هو أن مسيري ومنفذي السياسات العمومية هم أنفسهم من الأحزاب المشكلة للحكومة، وخصوصا الحزب الذي يرأس الحكومة حيث نجد أغلب رجال الأعمال خلقوا تجمعا للشناقة الكبار الأحرار يفعلون ما يحلوا لهم يخرجون البرامج الحكومية حسب المقاس ويستفيدون بسهولة منها بلا حسيب ولا رقيب يستفذون من صمت أجهزة الدولة وعدم تدخلها بمبرر المنافسة الحرة والاستثمار الحر، وهو ما حول الأسواق والتجارة والفلاحة وجميع القطاعات الى محميات يحفظها البعض باسمهم، السؤال المطروح هنا: لماذا لا يتم ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ ولماذا تسكت الدولة وهي تراقب حجم التلاعبات باستقرار الأسر المغربية؟
يعد مصطلح الشناقة مطلح دارج في لغة التداول اليومي للمغاربة، وغالبا ما يطلقونه المغاربة على الوسطاء والسماسرة والمضاربين، حيث نجد حضوره تاريخيا في تسمية صغار التجار الذين يشترون بعض المواشي أو يؤدون خدمات تجارية صغيرة في البيع والشراء داخل الأسواق، فهم مثلا يشترون بعض رؤوس المواشي ويعيدون بيعها فيما بينهم أو يبيعونها لبعض الأسر بمناسبة عيد الأضحى أو لمناسبات أخرى(عقيقة،زواج،ختان…) فمصطلح “تشناقت” ليس جديدا بل هو حاضر تاريخيا في ذهنية المغاربة في نقاشاتهم وهزلهم في أسواق المواشي بالمغرب منذ القدم وليس حديث الظهور، حيث تعايش المغاربة مع من يمتهن “تشناقت” بشكل عادي بل هناك من المغاربة من كان يبحث عن “شناق” لكي يساعده في اقتناء أضحية أو قضاء غرض ما في السوق بحكم أنه قادر على المفاوضة على تخفيض السعر بشكل كبير وبكل حرفية وثقة فالراغب في شراء المواشي وخصوصا ممتهني حرفة الجزارة يثقون في هؤلاء الأشخاص ثقة عمياء نظرا لخبرتهم في شراء مواشي ذات جودة وبأثمنة مناسبة من الكسابة، غير أن المصطلح لم يعد لصيقا بصغار التجار المعروفين في أسواق المواشي العشوائية والغير مهيكلة لسنوات، بل أصبح حضور الشناقة في جميع المجالات والقطاعات دون اسثتناء، وهنا نطرح السؤال: ما الذي وقع حتى يتحول الشناق من شخص كان يلجؤ له الجميع أفرادا وحرفيين الى شخص ألصقت به جميع التهم وجميع الكوارث؟
ان الترويج الغير الدقيق لهذا المصطلح في وسائل الاعلام المغربية يجعلنا نتساؤل هل هو ترويج بريئ ، وخصوصا القرار الأخير الذي أصدره رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش رقم 3.26.26 (المنشور بالجريدة الرسمية) يتضمن تدابير مؤقتة لتنظيم أسواق أضاحي العيد ومحاربة الوسطاء والمضاربين “الشناقة”. يهدف القرار إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان شفافية المعاملات. فهذا القرار يحمل الكثر من المغالطات:
أولا: التدابير التي تحمي القدرة الشرائية والأمن الغدائي للمغاربة لا يمكن أت تشملها قرارات مؤقتة، بل يجب أن تشملها قرارات دائمة وليست موسمية، لامتصاص الغضب المجتمعي المتنامي بين المغاربة، كما أن القرار فيه تدخل شكلي وغير صريح في الحد من السلوكيات الغير مشروعا، وأكثرها خطورة هي الاحتكار، فيكفي أن نطلع على أسماء معينة في حزب رئيس الحكومة أو أسماء بعض النواب البرلمانين من أحزاب الحكومة لنجد أن لهم تدخل مباشر في السوق، وأن لا علاقة مباشرة لما يقع الان في الأسواق من مضاربات في أسعار الخضر والفواكه واللحوم وغيرها بالشناقة الصغار المعروفين لدى الجميع في السوق، بل الأمر يتعلق بكبار التجار المنعم عليهم، ومن تنجز المشاريع العمومية لكي يستفيدوا منها دون أن يستثمروا ولو درهم من مالهم الخاص.
ثانيا: القرار تم الترويج له على نطاق واسع في الصحف والاعلام القريب من أحزاب الحكومة قصد تبرأت ذمة الحكومة، والصاق تهم المضاربة والاحتكار بالشناقة الصغار مع العلم، أن الشناق الصغير لا يستطيع أن يشتري سوى أعداد قليلة من الأضاحي، بينما السؤال المطروح، أين ذهب الأعداد الكثيرة التي أعلن عنها من قبل وزير الفلاحة، واليوم لا يجد المغاربة الأضحية في الأسواق، ومن وجدها يجد الثمن مضاعف، الذي صرح بوفرة القطيع الوطني، حيث أكد وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البوار على وفرة القطيع الوطني، مسجلاً بلوغ إجمالي الأغنام والماعز نحو 30.7 مليون رأس منها 23.2 مليون رأس من الأغنام و7.5 ملايين رأس من الماعز.
ثالتا: خلق النقاش حول الشناقة صراعا بين المغاربة حول استغلال بعضهم البعض في المناسبات، بين الحقيقة هو أن تدبير الشأن العام سياسيا واقتصاديا للحكومة بين بأننا نتجه نحو ضغط رهيب على القدرة الشرائية للمغاربة، وزيادة أرباح كبار رجال الأعمال بشكل غير مشروع وبغطاء سياسي حكومي.
ان التحليل السوسيولوجي لما يقع من اختلال في الظائف البنائية داخل المجتمع المغربي يدفعنا للتوقف عند السوسيولوجي الفرنسي “إميل دوركايم” ، الذي يرى أن الاحتقان يحدث عندما يفشل “البناء الاجتماعي” (مؤسسات، اقتصاد، قيم) في تلبية احتياجات الأفراد، مما يؤدي إلى حالة من “الأنوميا” أو غياب المعايير،”الأنوميا” أو”اللامعيارية”، هي حالة من الانهيار الأخلاقي وتفكك المعايير والقيم الاجتماعية. نحتها عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم في كتابه “الانتحار” عام 1897، وتشير إلى عجز المجتمع عن ضبط رغبات أفراده، مما يؤدي إلى الشعور بالضياع، الاغتراب، وزيادة معدلات الانحراف والانتحار وهو ما يمكن تلخيصه حسب اميل دوركايم في مايلي:
يلاحظ ضعف الضمير الجمعي وهوما يفسره اميل دوركايم عندما تضعف المعتقدات والقيم المشتركة، وتزداد النزعة نحو المنفعة الفردية والأنانية على حساب التضامن الاجتماعي، حيث تلعب التحولات الاقتصاديةدورا أساسيا في ذلك، ويمكن أن نشير الا أن ارتباط ظهور الأنوميا كان لصيقا بالثورة الصناعية؛ حيث أدى تقسيم العمل السريع إلى خلق تغيرات جذرية في المجتمع، وعجزت الأنظمة والقوانين الجديدة عن موازنة هذه التغيرات وتوفير ضوابط أخلاقية واضحة في السوق.اذ يرى دوركايم أن رغبات الإنسان متنوعة والغير المشبعة لا حدود لها بيولوجياً، والمجتمع هو الكيان الوحيد القادر على وضع “سقف أخلاقي” لها.
وفي غياب هذه المعايير، يعاني الأفراد من الإحباط الدائم نتيجة تطلعاتهم التي لا يمكن إشباعها.
ان من واجبنا الوطني والأخلاقي كباحثين مغاربة أن نشارك في هذا النقاش المجتمعي ونقف عند ما يقع من تحولات اجتماعية واقتصادية، كما من مسؤوليتنا أن نحذر من أن هناك انسداد في الدينامية الاجتماعية وتغيرا ملحوظا في المزاج الاجتماعي للمغاربة، فتمثلات المغاربة لجودة عيشهم تعرف تحولا متسارعا قد تكون له تداعيات على التماسك الاجتماعي، فعندما يشعر الأفراد أن “السلم الاجتماعي” غير قابل للصعود بسبب غياب تكافؤ الفرص (مثل جودة التعليم أو الحصول على وظائف، وتحسن في معيشهم اليومي، وغياب سلطة الدولة كحامي لهم …)، يتولد لديهم إحباط شديد يتراكم ليصبح احتقاناً مجتمعياً.
*أستاذ علم الاجتماع
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.