2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
طبيح عبد الكبير
استوقفني تعدد التدوينات والكتابات والآراء التي انخرطت فيها المحاميات والمحامون حول خبر تقديم طلب لمجلس المنافسة بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة، وتقديم طلب للبرلمان من أجل تأجيل التصويت على المشروع. وهي مبادرة جد مهمة تترجم حيوية الجسم المهني وانشغاله بكل ما له علاقة بمهنته. لذلك فإن الانخراط في هذه المساهمات يصبح ضرورة من أجل إثراء النقاش الجاد من جهة، لكون صوت نساء ورجال هذه المهنة هو صوت مسموع من جهة أخرى.
إنه، إلى حدود كتابة هذه المقالة، لا أعرف موضوع الطلب الذي قد يكون قُدِّم لمجلس المنافسة، ولا السؤال الذي يُرجى من هذا المجلس تقديم رأيه بخصوصه. لذلك أستعمل أسلوبا بصيغة الافتراض على وجود الطلبين المشار إليهما أعلاه، لنبحث عن جواب على سؤال هذه المقالة.
من المعلوم أن اللجوء إلى مجلس المنافسة ليس مفتوحا لجميع الأشخاص الذاتيين أو الأشخاص الاعتباريين من جهة، كما أن الطلب الذي يقدم لهذا المجلس ليس طلبا مفتوحا على جميع المواضيع. بل إن القانون حدد الجهات التي يحق لها أن تلجأ لمجلس المنافسة لتطلب رأيه أو استشارته أو توصيته، كما حدد لهذه الجهات موضوع الطلب الذي يمكن لها أن تقدمه لهذا المجلس.
ومن المفيد التذكير بكون مجلس المنافسة أُحدث بمقتضى المادة 15 من القانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، وهو القانون الذي ينظم الأحكام المطبقة على حرية الأسعار وتنظيم المنافسة الحرة من أجل تنشيط الفاعلية الاقتصادية وضمان الشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية، وفقا للمادة 14 منه.
وبالرجوع إلى المادة 15 من القانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، يتبين منها أنها حددت بشكل حصري الجهات التي يحق لها تقديم الطلبات إلى مجلس المنافسة، كما حددت موضوع تلك الطلبات لكي تكون مقبولة من طرف ذلك المجلس. وهذه الجهات والطلبات المحددة كما يلي:
1- اللجان الدائمة بالبرلمان، بخصوص مقترحات القوانين المتعلقة بحرية المنافسة. ويتبين من المادة 15 المشار إليها أعلاه أن اللجان الدائمة بالبرلمان لا تملك إحالة مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة إلى مجلس المنافسة، بل حصرت حق اللجان الدائمة فقط في مقترحات القوانين، أي تلك التي يتقدم بها عضو أو أكثر من أعضاء البرلمان من جهة، وأن يكون مقترح القانون يتعلق بحرية المنافسة من جهة ثانية. بينما المقتضيات المتعلقة بمهنة المحاماة منظمة بمقتضى مشروع قانون صادر عن الحكومة.
2- الحكومة في كل ما يتعلق بالمنافسة. ويتبين من صياغة المادتين أن اختيار الحكومة للجوء إلى مجلس المنافسة يجب أن يتم قبل إحالة مشروع القانون على البرلمان، وقبل إصدار النص التنظيمي أي المرسوم. بينما مشروع قانون المهنة أُحيل على مجلس النواب الذي صوّت عليه، وهو الآن محال على مجلس المستشارين للدراسة والتصويت عليه.
3- مجالس الجهات والمجموعات الحضرية وغرف التجارة والصناعة والخدمات وغرف الفلاحة وغرف الصناعة التقليدية وغرف الصيد البحري والمنظمات النقابية والمهنية وجمعيات المستهلكين، لكن يجب أن يكون الطلب المقدم لمجلس المنافسة محصورا في حدود المصالح المنوطة بهذه المجالس، أي في حدود مهامها المحددة لها بمقتضى القانون المحدث لها.
4- المحاكم المختصة، في شأن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المثارة في القضايا المعروضة عليها. أي ليس كل المحاكم يمكنها تقديم الطلب لمجلس المنافسة، وليس في كل القضايا المعروضة على تلك المحاكم.
وبالرجوع إلى المادة 5 من القانون 20.13 المنظم لمجلس المنافسة، يتبين منها أنها هي كذلك تنص على نفس الجهات وعلى نفس نوعية الطلبات التي يتم تقديمها لمجلس المنافسة.
ويتبين مما سبق أن مجلس المنافسة لا يمكنه أن يقبل طلب إبداء الرأي أو إعطاء استشارة أو تقديم توصية بخصوص مشروع قانون متعلق بمهنة المحاماة:
- لأن أي طلب لم يقدم له من قبل الحكومة من جهة أولى.
- ولأن أي طلب لم يقدم له من قبل اللجان الدائمة للبرلمان، لأن الأمر يتعلق بمشروع قانون وليس بمقترح قانون من جهة ثانية.
- ولأن أي طلب لم يقدم له من طرف المجالس المذكورة أعلاه، لأنه لا يدخل في مهام أو اختصاص أي منها التدخل فيما يتعلق بمهنة المحاماة، خصوصا وأن المادة 15 والمادة 5 المشار إليهما أعلاه حصرتا مجال تدخل هذه المجالس في مسألة مبدئية، أي قضية عامة، وليس قضية بعينها، وأن تكون تلك المسألة تتعلق بالمنافسة وحرية الأسعار من جهة ثالثة.
وبالرجوع إلى ما تم تداوله من أخبار بخصوص وجود طلب مقدم لمجلس المنافسة يتعلق بمعرفة رأيه بخصوص شروط الولوج لمهنة المحاماة، فإن هذا الطلب لا يمكن قبوله من طرف مجلس المنافسة لأنه لا يدخل في اختصاص أي جهة من الجهات المشار إليها أعلاه. كما أن موضوع ذلك الطلب لا علاقة له بحرية الأسعار والمنافسة ذات الطبيعة التجارية، وهي التجارة التي يمنع على المحامي ممارستها.
لكن قد يرد على هذا الموقف بأن مجلس المنافسة سبق له أن أعطى رأيه في مهنة يمنع على المنتمين لها ممارسة التجارة، وهي مهنة الموثقين. وبالتالي، ما المانع من مطالبة مجلس المنافسة بإبداء رأيه بخصوص مهنة المحاماة؟
إن الجواب على هذا التساؤل نجده في صلب الرأي الذي قدمه مجلس المنافسة بخصوص مهنة التوثيق، وهو الرأي الذي يحمل المرجع التالي: 03-ر-2019، والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 13/02/2020.
وبالرجوع إلى ذلك الرأي نجده يتميز وينفرد بخاصيات لا تتوفر في مشروع قانون مهنة المحاماة، وهي الخاصيات التالية:
1- أن طلب الرأي بخصوص مهنة الموثقين تقدمت به الحكومة، وهي الخاصية التي لا تتوفر في الطلب الذي قد يكون قدم لمجلس المنافسة بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة، لأنه حسب ما هو متوفر من معلومات فإن الحكومة لم تتقدم بأي طلب لمجلس المنافسة بخصوص أي مقتضى من مقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة.
2- أن الحكومة تقدمت لمجلس المنافسة بطلب رأيه في مشروع مرسوم، وليس في مشروع قانون من جهة، وقبل إصدار ذلك المرسوم، وليس بعد أن أحالت مشروع قانون مهنة المحاماة على مجلس النواب وتصويت هذا المجلس عليه من جهة أخرى.
3- أن الحكومة طلبت رأي مجلس المنافسة في مشروع مرسوم يتعلق بأتعاب الموثقين وفقا للمادة 15 من القانون المتعلق بالموثقين، التي تنص على أن أتعاب الموثقين تحدد بنص تنظيمي، أي بمرسوم، ولم تطلب رأيه بخصوص شروط الولوج لمهنة التوثيق.
ومن الملفت للنظر في رأي مجلس المنافسة المذكور أنه تناول شروط الولوج إلى مهنة التوثيق في الفقرة الثالثة منه تحت عنوان “تقديم مهنة التوثيق”، لكنه لم يبد بشأنها أي رأي أو استشارة أو توصية، بل أبدى فقط رأيه في تحديد سقف أتعاب الموثق، وذكر كذلك ضرورة عدم النزول عن التكاليف الحقيقية لإنجاز عمل الموثق.
وخلاصة ما سبق هي:
- أن مجلس المنافسة لا يقدم له طلب إبداء الرأي أو الاستشارة أو التوصية بخصوص مشروع قانون صوّت عليه مجلس النواب وهو الآن معروض على مجلس المستشارين.
- لا توجد إمكانية دستورية أو قانونية تمكن مجلس المنافسة من توجيه طلب إلى مجلس المستشارين ليوقف دراسته لمشروع قانون أحاله عليه مجلس النواب.
- أن مجلس المنافسة لم يؤهله القانون لكي يفحص شروط الولوج إلى أي مهنة كيفما كانت، وبالخصوص مهنة المحاماة، لكون تحديد تلك الشروط من مجال القانون الذي يعود الاختصاص في وضعه إلى كل من الحكومة والبرلمان، وليس لمجلس المنافسة.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.