لماذا وإلى أين ؟

كيف أصبح المغرب عملاق الصناعة الإفريقي؟


ادريس الفينة

أصبح المغرب خلال العقدين الأخيرين منصة صناعية رئيسية في إفريقيا. تصدره مؤشر التصنيع الإفريقي لسنة 2025 الصادر عن بنك التنمية الإفريقي يؤكد أن المملكة لم تعد اقتصاداً صاعداً فقط، بل أصبحت فاعلاً صناعياً قارياً.

يقوم هذا الصعود على قطاعات واضحة. قطاع السيارات أصبح أول قطاع تصديري، بصادرات بلغت نحو 157 مليار درهم في 2024. توسعة مصنع Stellantis بالقنيطرة باستثمار 1.2 مليار يورو، ورفع طاقته إلى 535 ألف سيارة سنوياً، يعززان موقع المغرب كمنصة إنتاج موجهة لأوروبا وإفريقيا.

قطاع الطيران أصبح بدوره رافعة صناعية عالية القيمة. صادراته ارتفعت من 26.4 مليار درهم في 2024 إلى نحو 29 مليار درهم في 2025، مع وجود حوالي 150 شركة و25 ألف منصب شغل. كما أعلنت Safran عن استثمارات كبرى في المغرب، منها خط لتجميع محركات Airbus باستثمار 200 مليون يورو، ومصنع لمعدات الهبوط بقيمة 280 مليون يورو قرب الدار البيضاء. هذا يعني أن المغرب يدخل تدريجياً صناعات دقيقة مرتبطة بالمحركات، الصيانة، معدات الطائرات وسلاسل التوريد العالمية.

أما الفوسفاط، فقد تحول من مورد خام إلى صناعة كيميائية متقدمة بفضل OCP، خاصة في الأسمدة ومشتقات الفوسفاط. وهذا يمنح المغرب موقعاً استراتيجياً في الأمن الغذائي العالمي.

قوة المغرب الصناعية تستند أيضاً إلى البنية التحتية. ميناء طنجة المتوسط، المناطق الصناعية، والربط اللوجستي مع أوروبا جعلت المملكة قاعدة إنتاج وتصدير فعالة. وقد بلغت التجارة السلعية بين المغرب والاتحاد الأوروبي 62.2 مليار يورو في 2025، ما يؤكد عمق الاندماج الصناعي بين الطرفين.

المرحلة المقبلة ستقودها محركات جديدة. أولها البطاريات والسيارات الكهربائية. المغرب جذب استثمارات كبرى من شركات صينية مثل Gotion وCNGR وBTR، مع مشروع Gotion لإنشاء مصنع بطاريات باستثمار أولي قدره 1.3 مليار دولار وبطاقة 20 جيغاواط/ساعة، قابلة للتوسع إلى 100 جيغاواط/ساعة. هذا القطاع قد ينقل المغرب من صناعة السيارات التقليدية إلى قلب سلسلة القيمة الخاصة بالتنقل الكهربائي.

المحرك الثاني هو الصناعات عالية التكنولوجيا. المغرب بدأ ينتقل من التجميع الصناعي إلى صناعات أكثر تعقيداً: مكونات الطائرات، المحركات، معدات الهبوط، الإلكترونيات الصناعية، البطاريات، الأنظمة الكهربائية، والهندسة المرتبطة بالتصنيع. الرهان هنا هو رفع القيمة المضافة، خلق كفاءات تقنية، وتقليل موقع المغرب كمجرد قاعدة يد عاملة منخفضة الكلفة.

المحرك الثالث هو الصناعة الدفاعية. المغرب شرع في بناء إطار قانوني وصناعي لهذا القطاع عبر القانون 10.20 المتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن، وإحداث مناطق صناعية مخصصة للصناعات الدفاعية. الهدف هو تقليص الاعتماد على الاستيراد، جذب شراكات أجنبية، وتطوير إنتاج محلي في مجالات الصيانة، المعدات، الأنظمة الإلكترونية، والطائرات بدون طيار.

وتظهر أهمية هذا التوجه في مشاريع مرتبطة بالطائرات المسيّرة. فقد برزت شراكات مع فاعلين دوليين مثل Baykar التركية وBlueBird الإسرائيلية، مع توجه نحو إنتاج أو تجميع وصيانة الدرونات بالمغرب. هذا لا يعني أن المغرب أصبح قوة دفاعية صناعية مكتملة، لكنه يعني أنه دخل مرحلة بناء قاعدة أولية لصناعة دفاعية وطنية.

كما يشكل معرض Marrakech Air Show منصة مهمة لهذا التحول. فهو لم يعد مجرد صالون للطيران، بل واجهة لتسويق المغرب كقاعدة للصناعات الجوية والدفاعية والتكنولوجية. نسخة 2024 جمعت مئات العارضين والوفود الدولية، ورسخت صورة المغرب كمركز إفريقي صاعد في الطيران والصناعات المرتبطة به.

المحرك الرابع هو الهيدروجين الأخضر وإزالة الكربون. “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر يهدف إلى جذب استثمارات في الطاقات المتجددة، التحلية، إنتاج الهيدروجين ومشتقاته. ومع تشديد أوروبا آلية الكربون على الحدود، ستصبح تنافسية الصادرات مرتبطة بالبصمة الكربونية. لذلك، فإن الصناعة الخضراء قد تمنح المغرب ميزة تنافسية في السيارات، الأسمدة، الصلب، والإسمنت.

المحرك الخامس هو تعميق الإدماج المحلي. المغرب لم يعد مطالباً فقط بجذب المصانع، بل بخلق موردين مغاربة، رفع نسبة المكونات المحلية، وتطوير مقاولات وطنية قادرة على دخول سلاسل القيمة العالمية.

رغم هذا الصعود، تبقى تحديات واضحة: العجز التجاري، الاعتماد على الواردات الصناعية، ضعف البحث والتطوير، وهيمنة الشركات الأجنبية على قطاعات رئيسية. لذلك، فإن نجاح المغرب في المرحلة المقبلة يتوقف على نقل التكنولوجيا، تقوية المقاولات الوطنية، وتكوين كفاءات صناعية متقدمة.

أرقام الطيران والاستثمارات الأخيرة في Safran تؤكد انتقال المغرب نحو صناعات أعلى تعقيداً، بينما يبين قانون 10.20 والمناطق الصناعية الدفاعية أن الرباط بدأت تؤسس لسيادة صناعية دفاعية تدريجية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x