2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
حذرت الأمم المتحدة من اقتراب عودة ظاهرة “النينيو” المناخية خلال الأشهر المقبلة، داعية حكومات العالم إلى الاستعداد لتداعياتها المحتملة على الطقس والمناخ. وبينما ترتبط هذه الظاهرة عالميا بموجات الحر والجفاف والفيضانات، يطرح التحذير الأممي تساؤلات بشأن مدى تأثر المغرب بها، خاصة في ظل السنوات الأخيرة التي اتسمت بارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة وتفاقم آثار الجفاف.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن احتمالات تشكل الظاهرة خلال النصف الثاني من السنة الحالية مرتفعة، ما قد يؤدي إلى اضطرابات مناخية واسعة النطاق، في وقت أصبحت فيه الظواهر الجوية المتطرفة أكثر تكرارا وحدة بسبب التغير المناخي.
وفي هذا السياق، قال المصطفى العيسات، الخبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة وتغير المناخ، إن ظاهرة “النينيو” تعد من الظواهر الطبيعية المرتبطة بارتفاع حرارة المياه في المحيط الهادي، موضحا أن هذه الكتل المائية الدافئة تؤثر على المناخ العالمي وتمتد آثارها إلى مناطق مختلفة من العالم.
وأضاف العيسات، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإحبارية، أن الظاهرة كانت تتسبب تقليديا في فيضانات وأعاصير على مستوى آسيا وأمريكا الجنوبية، غير أن “حدة هذه الظاهرة توسعت خلال السنوات الأخيرة بفعل التقلبات المناخية والاحترار الذي يعرفه كوكب الأرض”، مشيرا إلى أن “ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ساهم في زيادة تأثيراتها واتساع رقعتها”.

وأكد الخبير في المناخ أن انعكاسات “النينيو” لم تعد تقتصر على مناطق بعيدة، بل أصبحت تؤثر بشكل متزايد على حوض المحيط الأطلسي وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا. وقال إن “الظاهرة استفحلت وأصبحت تتوسع على مستوى المحيط الأطلسي وتضرب الآن شمال إفريقيا وجنوب أوروبا”.
ويرى العيسات أن موجات الحرارة القوية التي شهدها المغرب خلال الأشهر الأخيرة ترتبط بشكل مباشر بهذه التحولات المناخية، موضحا أن “معدلات الحرارة التي عشناها في ماي المنصرم لم يسبق أن سجلت خلال 20 أو 30 سنة الماضية”، مشيرا إلى تسجيل درجات حرارة تراوحت بين 45 و47 درجة بعدد من المناطق المغربية.
وأضاف العيسات أن “هذه الأمور لها ارتباط بظاهرة ‘النينيو’ المرتبطة كذلك بالاحتباس الحراري”، معتبرا أن التغير المناخي العالمي فاقم من آثار الظواهر الطبيعية وجعلها أكثر حدة وخطورة.
وبحسب المتحدث ذاته، فإن المؤشرات الحالية لا تدعو إلى التفاؤل على المدى القريب، إذ توقع أن تستمر موجات الحر القوية خلال السنوات المقبلة، حيث “سنعيش إلى حدود 2032 مواسم حراقة”، في إشارة إلى استمرار تسجيل درجات حرارة مرتفعة وموجات حر متكررة.
وحذر العيسات من أن المغرب مطالب بالتحرك السريع لمواكبة هذه التحولات، مؤكدا أن التحدي لم يعد بيئيا فقط، بل أصبح يمس الصحة العمومية والموارد المائية والأمن الغذائي، و”المطلوب اليوم من المغرب هو تكييف سياسته العمومية مع هذا التغير، لا على مستوى تهيئة المستشفيات ولا على مستوى التوعية الصحية للمواطنين”، داعيا إلى تعبئة جماعية لمواجهة المخاطر المتزايدة.
وشدد الخبير في التغيرات المناخية على ضرورة تأهيل المنظومة الصحية وملاءمة السياسات العمومية مع الواقع المناخي الجديد، معتبرا أن “التعامل مع التغيرات المناخية يتطلب انخراط مختلف القطاعات الحكومية وليس قطاع البيئة فقط”.
وفي هذا الإطار، استحضر العيسات ما ورد في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي نبه إلى أن المغرب فقد جزءا مهما من موارده الطبيعية، سواء على مستوى المناطق الرطبة أو القطاع الغابوي أو بعض أصناف الحبوب، محذرا من أن “استمرار هذه المؤشرات ينذر بإشكالات بيئية واقتصادية متفاقمة خلال السنوات المقبلة”.
وذكّر العيسات بأن التقرير أوصى برفع مستوى تدبير ملف التغيرات المناخية عبر نقل لجنة التغيرات المناخية إلى مستوى رئاسة الحكومة، بالنظر إلى ارتباط هذا الملف بقطاعات متعددة تشمل الفلاحة والمياه والصحة والداخلية والتخطيط الترابي.
ويخلص الكثير من خبراء المناخ إلى أن عودة “النينيو” قد تشكل اختبارا جديدا لقدرة الدول على التكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة، بينما يجد المغرب نفسه أمام تحدي “تسريع سياسات التأقلم والحد من الهشاشة المناخية”، في ظل توقعات تشير إلى سنوات أكثر حرارة وضغطا على الموارد الطبيعية.