لماذا وإلى أين ؟

أوقات مبعثرة

محمد كرم

عزيزي القارئ، ما هو القاسم المشترك بين معظم الساعات الكبرى التي تؤثث عدة فضاءات عمومية بمجموعة من مدن المملكة ؟

الجواب بدون لف أو دوران : إنها لا تعمل في الغالب أو تعوزها الدقة في أحسن الأحوال، و حتى ما إذا امتدت إليها يد الإصلاح أو الضبط فإنها سرعان ما تتعطل أو تختل من جديد و تظل كذلك لفترة قد تقصر و قد تطول … و غالبا ما تطول.

لاحظت هذا الخلل المعمم و المتكرر ـ بل و المزمن أحيانا كذلك ـ  في أوقات متفرقة بعدد من المواقع المفتوحة و بالمرافق الخدماتية و العيادات الطبية و الحمامات العمومية… و حتى على مستوى ساعة مكتب البريد الرئيسي بالرباط و ساعة ساحة الاستقلال بخريبكة و ساعة ساحة “لورلوج” بآسفي و ساعة ثكنة رجال المطافئ بأكادير … و ساعة مقر ولاية الدار البيضاء، و ما أدراك ما ولاية الدار البيضاء !

في المقابل، و على بعد أمتار قليلة من البيت الذي كان شاهدا على طفولتي و شبابي الأول، لن أنسى أبدا تلك الساعة السويسرية  البادية للعيان و التي قام ساعاتي من “مخلفات” الاستعمار الفرنسي بتثبيتها فوق واجهة ورشته بمجرد ما استقر بحينا و شرع في إصلاح الساعات و المتاجرة فيها. و على امتداد سنوات طويلة لا أذكر بأن الساعة إياها قد تعطلت في يوم من الأيام. لقد كان مالكها مواظبا على صيانتها و العناية بها.

و مما لا شك فيه أن غاية الساعاتي من هذه البادرة تمثلت أساسا في لفت انتباه الناس إلى مشروعه التجاري على أمل الرفع من حجم معاملاته ـ و هذا هدف مشروع طبعا ـ إلا أن ضابطة الوقت هاته سرعان ما تحولت أيضا إلى أداة لا غنى عنها لتنظيم وقت المارة و سكان الجوار … و رحل الفرنسي عن دنيا الناس و تحولت ملكية المحل إلى ساعاتي من بني جلدتنا، و منذ زمن التفويت و الساعة مجرد أرقام و عقارب بلا حركة. و اليوم، و بحكم ابتعادي عن مسقط رأسي و مرتع نشأتي، لا أدري ما إذا كانت الجثة الهامدة ما تزال تراوح مكانها أم أنها أحيلت على مزبلة المدينة أو خضعت للتدوير و تحولت بقدرة قادر إلى شيء آخر.

فهل نحن هنا أمام مشكل تقني عاد لا يختلف في شيء عن الاختلالات الشائعة و التي يمكن أن تطال الأجهزة و الأنظمة الكهربائية أو الإلكترونية أو الميكانيكية المعروفة أم أن هذه الظاهرة تتجاوز ما هو تقني صرف و تحيلنا بالضرورة على مباحث أخرى ؟

إن غياب ضبط الساعات الكبرى و صيانتها سواء بالفضاءات العمومية أو شبه العمومية يجد تفسيره في الواقع في تمثل المغاربة لمفهوم الوقت. الوقت في تصورنا فكرة فضفاضة و لا يدخل الالتزام به و احترامه ضمن الأولويات في حياتنا، إذ لا فرق عند الكثيرين مثلا بين تناول وجبة الغذاء في منتصف النهار و بين تناولها في الرابعة عصرا، و لا فرق بين الخلود للنوم في منتصف الليل و بين السهر إلى حدود الخامسة صباحا، و لا فرق بين أن تعيد فتح دكانك بعد مرور يومين من عيد الأضحى و بين تركه مغلقا لمدة شهر كامل، و لا فرق بين أن يستقبلك الطبيب بقاعة الفحص بعد عشر دقائق فقط من ولوجك إلى عيادته و بين أن يأتي دورك قبل ساعة الإغلاق بقليل و بعد يوم كامل من الانتظار (معظم العيادات الطبية الخصوصية لا تعمل اليوم بنظام المواعيد، و حتى إن عملت به فالمقصود بالموعد هو اليوم و ليس الساعة و الدقيقة !!!)، و لا فرق بين أن يبدأ اجتماع مهني على الساعة التاسعة صباحا و بين تأخير انطلاقه إلى حين توفر النصاب القانوني في حدود العاشرة … و بالتالي، لا داعي لإلقاء نظرة على ساعتك على رأس كل عشرين دقيقة. كلنا أحرار في توزيع وقتنا.

أما ساعاتنا اليدوية فغالبا ما نحملها من باب العادة فقط أو باعتبارها أيضا أداة من  أدوات الزينة أو ـ في حالات قليلة ـ  استثمارا بعائد قد ينفعنا في اليوم الأسود (يقال بأنه ثمة ساعات فاخرة يفوق سعرها أو يقترب من سعر الشقق الفاخرة و بأنه هناك من اللصوص من هو متخصص في الهجوم على حامليها  !!!). أما استمرار وجود من ما يزال يصر على التمييز بين الساعة “القديمة” و الساعة “الجديدة” فهو دليل إضافي على نسبية الأشياء و على عدم خضوع الجميع للسياسات الرسمية المعتمدة.

و طوال حياتي لم تلتقط أذناي و لو تعليقا واحدا على ظاهرة الساعات العمومية المعطلة و لم تقع عيناي على خبر واحد يفيد بوجود عطل من هذا النوع مع حث السلطات المعنية على التدخل لتصحيح الوضع بمبرر الارتباك الذي يخلقه العطل في أذهان الناس. ليس منا، على ما يبدو،  من يعتقد بأن المشكل يدعو فعلا إلى إثارة زوبعة و لو في فنجان. و حتى لو ظلت الساعة المعطلة بلا إصلاح على امتداد قرن من الزمن لن يثار موضوع العطل أبدا لا بالدوائر الرسمية و لا بالجلسات الخاصة. فالساعة العمومية في تصور المغاربة ما هي في نهاية الأمر سوى معلم من معالم المدينة أو قطعة من أثاث عيادة أو مصلحة إدارية و لا يرتبط وجودها بالضرورة بوظيفتها الأساسية، هذا إضافة إلى وعي الجميع بغياب الصيانة المنتظمة عندنا حتى عندما يكون موضوعها مرافق و آليات و أجهزة لا غنى عنها فأحرى عندما يطال الخلل مرفقا أو آلة أو جهازا يعد ضمن الكماليات علما بأن إعادة تشغيل ساعة حائطية قد لا يتطلب أحيانا سوى استبدال البطارية التي أفرغت من طاقتها ببطارية جديدة قد لا يتجاوز سعرها درهمين.

و القائمون على مرافقنا العمومية بشكل خاص لا يهمهم إن كانت الساعات الكبرى تضل الناس أم لا في وقت لا يتردد فيه مسؤولون آخرون في أصقاع أخرى من هذا العالم في حجب مينا الساعة المعطلة مؤقتا إلى حين حلول وقت إصلاحها، و هذا أقل مجهود يمكن بذله في هذه الحالة عوض ترك الحبل على الغارب و خاصة بالمطارات و محطات القطار و المحطات الطرقية. و من يرغب في التوسع في موضوع مقاربتنا العجيبة للوقت ما عليه إلا أن يفتح ورش بناء و سيكتشف بأن للمواعيد و الآجال معان ليست بالضرورة هي تلك المتضمنة بقواميس اللغة أو تلك التي يقتضيها منطق الأشياء.

الوقت عندنا ـ و هذه حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد ـ  لا يتحقق احترامه إلا إذا كان مقرونا بالمحاسبة و العقاب أو إذا كان من شأن تجاهل أهميته أن يكبدنا خسائر مادية أو يحرمنا من منافع بعينها. ما عدا ذلك، فسواء احترمت المواعيد و الآجـــــال أم لا No problem  .

و لعل ما يستفزني أكثر في طريقة تعاملنا مع الزمن هي تلك المرونة الغريبة التي نحدد بها أحيانا مواعيدنا و التي تعكس وجود استهتار ما بعده استهتار بالوقت، إذ من الشائع أن يتم الاتفاق مع صديق أو زميل أو قريب على الالتقاء بمكان ما بين صلاتي العصر و المغرب أو حتى بين صلاتي الصبح و الظهر !!!!!!! الضبط في هذه الحالة غائب تماما لأنه غير ذي أهمية في عرف العديدين، و سواء سبقتك إلى نقطة الالتقاء و انتظرت وصولك لمدة ساعة أو سبقتني أنت و انتظرتني لمدة ساعتين فالأمران سيان طالما أن المحبة التي بيننا أو المصالح التي تجمعنا مصانة و محفوظة.

إن تقدم الشعوب في تصوري لا يقاس فقط بكمية الصابون المستعملة أو بكمية الإسمنت المسوقة أو بكمية الكتب السنوية الصادرة عن المطابع أو بوتيرة التنمية العامة أو … أو … بل يقاس أيضا بطريقة تدبير أفرادها للوقت، و حال الساعات بالفضاءات العامة مؤشر من مؤشرات مستوى الحكامة و درجة الرقي الذهني و الحضاري عند القائمين على هذه الفضاءات. فلا داعي إذن للبحث عن مصدر التخلف خارج جماجم الكثيرين من مواطني العالم الثالث.

في السياق ذاته دائما، و بينما كنت أحتسي قهوتي “الألونجي” بأحد مقاهي وسط المدينة برفقة صديق عزيز، خطر ببالي سؤال آني. و حتى لا يضيع هذا السؤال في زحمة الأسئلة و التساؤلات المتدافعة بذهني في ذلك اليوم قاطعت حديث الصديق عن اصطداماته المتكررة بأصهاره بأن استفسرته قائلا : “هل كان هناك فعلا داع لاستثمار الملايير من الدراهم في إحداث ما يسمى ب “البراق” ؟

لم يتأخر الأنيس في موافاتي بالجواب، إذ رد علي بالقول : ” الهدف واضح و الفائدة ملموسة. فوسيلة النقل هاته تمكن مستعملي السكك الحديدية اليوم من تقليص مدة السفر بين العاصمة الاقتصادية و مدينة البوغاز بمقدار ساعتين تقريبا.”

لم يحمل الجواب أي جديد بالنسبة لي مادام أنه من المعروف بأن الأمر يتعلق بقطار فائق السرعة. و حتى لا يتخذ صاحبنا من  صمتي ذريعة للعودة إلى الحديث عن مشاكله المزمنة مع حماته بشكل خاص بادرت إلى مباغثته بسؤال إضافي : “و ما عسى أن يصنع جل المسافرين بالساعتين المربوحتين ؟ “

آنذاك ابتلع صديقي ريقه و صام عن الكلام و راح يعيد تقييم الأمور بصوت داخلي مكتوم و هو يرتشف ما تبقى من قهوته “القاصحة”.

ليس الغرض من هذا المقال هو حمل الناس على تغيير عقليتهم. فأنا أعلم بأن من شب على شيء شاب عليه و بأنه من الصعب جدا محاربة الظواهر السلبية المعممة و بأن أهم ما يهم المغاربة من الأوقات هو وقت الإمساك و وقت الإفطار خلال شهر رمضان … و في انتظار بزوغ وعي جديد بأهمية الوقت ستظل “مكانة” وزان تشير إلى السادسة في التاسعة، و ستظل ساعة مقر بلدية وجدة الكولونيالية تشير إلى الحادية عشرة و الربع في الثامنة و النصف.

إضافة ختامية : يقال ـ و العهدة على الراوي ـ بأنه في دولة اليابان إذا كان التوقيت المبرمج لانطلاق قطارك هو الثالثة و تسع دقائق و لكن مغادرة المحطة لم تتم إلا على الساعة الثالثة و عشر دقائق فاعلم أنك امتطيت القطار الخطأ !!!

تذكير ختامي : بلدياتنا ليست مضطرة إلى تزيين بعض الساحات المفتوحة  أو واجهات مرافق عمومية بعينها بساعات عملاقة، و إذا ما ألحت على فعل ذلك فلتعلم مصالحها التقنية بأنه في غياب الصيانة المنتظمة يصبح الاعتماد على موقع الشمس في السماء أكثر نفعا في تحديد الوقت من التعويل على ساعة معطلة لا  تصلح لصالحة. الساعة إما أن تكون مثل Big Ben في دقتها و في انتظام عملها أو لا تكون.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x