2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
التعليم الأولي بالمغرب: بين رهانات التعميم وتحديات الجودة في التنزيل الميداني
هشام حنوز
أصبح التعليم الأولي في المغرب أحد أهم الأوراش الإصلاحية داخل منظومة التربية والتكوين، بعدما تجاوز دوره التقليدي كمرحلة تمهيدية تسبق التعليم الابتدائي، ليغدو مدخلاً أساسياً لتحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص وتقليص الفوارق الاجتماعية والتربوية بين الأطفال. فالدراسات التربوية تؤكد أن السنوات الأولى من عمر الطفل تشكل مرحلة حاسمة في بناء التعلمات الأساسية وتنمية القدرات المعرفية والوجدانية والاجتماعية.
وقد عرفت نسب التمدرس بالتعليم الأولي خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، حيث ارتفعت بشكل متواصل منذ سنة 2016 لتقترب من نسبة 80 في المئة خلال الموسم الدراسي 2023-2024. ويعكس هذا التقدم الجهود المبذولة لتوسيع الولوج إلى هذه المرحلة التعليمية، غير أن التركيز على تحقيق الأهداف الكمية يثير تساؤلات حول مدى مواكبة هذا التوسع لمتطلبات الجودة التربوية، حتى لا يتحول التعميم إلى هدف في حد ذاته على حساب جودة التعلمات وظروف الاشتغال.
ويندرج هذا الورش ضمن التوجهات الكبرى للرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، التي اعتبرت التعليم الأولي أساساً لكل إصلاح تربوي ناجح، كما جاء القانون الإطار رقم 51.17 ليؤكد مسؤولية الدولة في تعميمه وضمان جودته لفائدة الأطفال المتراوحة أعمارهم بين أربع وست سنوات. ورغم وضوح هذا الإطار القانوني، فإن الواقع الميداني يكشف استمرار تفاوتات ملحوظة في التنزيل بين مختلف المناطق، مما يجعل الفجوة قائمة بين الطموحات المعلنة والإمكانات المتاحة.
وتبرز هذه التحديات بشكل واضح على مستوى البنيات والتجهيزات، خاصة في الوسط القروي، حيث ما تزال بعض الأقسام تفتقر إلى شروط الاستقبال الملائمة للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة. كما تعاني بعض الفضاءات من ضعف الصيانة الدورية وتدهور التجهيزات، إضافة إلى الأضرار الناتجة عن تسربات مياه الأمطار والعوامل المناخية، وهو ما يؤثر سلباً على جودة البيئة التربوية وسلامة الأطفال واستقرار العملية التعليمية.
أما على مستوى الموارد البشرية، فقد ساهم اعتماد التدبير المفوض عبر الجمعيات في توسيع العرض التربوي وتغطية عدد أكبر من المؤسسات، إلا أن هذا النموذج أفرز في المقابل تحديات مرتبطة بالاستقرار المهني للمربيات والمربين. فضعف الأجور وتفاوت فرص التكوين وغياب مسارات مهنية واضحة من بين الإشكالات التي تؤثر على مردودية العاملين بهذا القطاع، وهو ما دفع العديد منهم إلى خوض أشكال احتجاجية للمطالبة بتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية وضمان استقرارهم الوظيفي.
كما يشكل التأطير والتتبع البيداغوجي أحد أبرز التحديات المطروحة، بالنظر إلى محدودية عدد الأطر المتخصصة المكلفة بالمواكبة الميدانية. ويؤدي هذا النقص إلى ضعف انتظام عمليات التأطير وتقليص أثرها التكويني، فضلاً عن استمرار بعض الإشكالات المرتبطة بتداخل الأدوار بين مختلف المتدخلين من إدارات تربوية وجمعيات مسيرة وأطر إشراف، الأمر الذي ينعكس على فعالية الحكامة وجودة التدبير.
وإذا كان تحقيق نسب مرتفعة من التمدرس بالتعليم الأولي يمثل مؤشراً إيجابياً على مستوى توسيع الولوج، فإن المرحلة المقبلة تقتضي توجيه الاهتمام بشكل أكبر نحو جودة الخدمات التربوية المقدمة للأطفال. فنجاح هذا الورش يبقى مرتبطاً بتوفير فضاءات ملائمة للتعلم، وضمان استقرار الموارد البشرية وتأهيلها المستمر، وتعزيز آليات المواكبة والتتبع الميداني، بما يسمح بتحقيق الأهداف التربوية المنشودة ويجعل التعليم الأولي منطلقاً حقيقياً لبناء التعلمات الأساسية والحد من مظاهر التعثر الدراسي في المراحل اللاحقة.
إن نجاح ورش التعليم الأولي لا يقاس فقط بمؤشرات التعميم ونسب الولوج، بل بقدرته على توفير بيئة تربوية متكاملة تضمن تعلمات ذات جودة وتؤسس لمسار دراسي متوازن منذ السنوات الأولى. فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تعميم التعليم الأولي فحسب، وإنما في بناء نموذج تربوي قادر على الجمع بين التوسع الكمي والجودة النوعية، بما يجعل هذه المرحلة قاعدة صلبة للإصلاح التربوي والتنمية البشرية بالمغرب.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه