2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
قراءة في مشروعية استعمال جهاز “T3 Shield”
الزروقي زكرياء*
تثير المقتضيات والآليات المعتمدة من طرف وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة لمكافحة الغش في الامتحانات الإشهادية — وتحديداً استخدام جهاز الكشف الإلكتروني (T3 Shield) — جملة من الإشكاليات القانونية والحقوقية المتمثلة في الدفوع التالية:
أولاً: دفع بعدم الاختصاص المادي وخرق المقتضيات الآمرة لقانون المواصلات (مسألة المصادقة التقنية) بموجب أحكام القانون رقم 24.96 المتعلق ببريد المواصلات السلكية واللاسلكية، وتحديداً الصلاحيات المسندة للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، فإن أي جهاز يشتغل بالترددات الراديوية أو يبث موجات كهرومغناطيسية يخضع وجوباً لـ مسطرة المصادقة القبْلية (Homologation) للتحقق من سلامته التقنية وملائمته للمعايير الوطنية والدولية.
- الأثر القانوني: إن تشغيل أي معدات اتصال أو كشف راديوي داخل المرافق العمومية دون الحصول على شهادة المصادقة الرسمية الصادرة عن الوكالة، يجعل من هذا الإجراء مخالفة صريحة للنظام العام الحمائي للمواصلات، ويجرد وسيلة الإثبات المستخلصة منه من حجيتها القانونية لابتنائها على إجراء معيب شكلاً.
ثانياً: دفع بخرق مبدأ تكافؤ الفرص ومسّ بالمركز القانوني للمترشح (هدر الزمن الإداري للامتحان) ينظم الامتحانات الإشهادية إطار تعاقدي وضوابط زمنية محددة بقرارات وزارية تمنح المترشح حيزاً زمنياً كاملاً ومحمياً قانوناً للإجابة. إن إخضاع المترشحين لعمليات تفتيش وفحص تقني متعدد المراحل أثناء سريان وقت الاختبار يؤدي إلى: - اقتطاع زمني غير مشروع من الحصة الزمنية المخصصة للمترشح، وهو ما يشكل مساساً بـ مبدأ تكافؤ الفرص المقرّر دستورياً (الفصل 31 من الدستور)، لاسيما في غياب مقتضى تنظيمي يقضي بالتعويض التلقائي لهذا الزمن المهدور.
- قصور في التدبير الإجرائي؛ إذ إن توقيف السير العادي للاختبار داخل القاعة عند رصد أي إشارة إلكترونية، يرتب أثراً عقابياً جماعياً معنوياً وذهنياً على باقي المترشحين المفترضين براءتهم.
ثالثاً: دفع بخرق أحكام قانون المسطرة الجنائية والاعتداء على الحريات الفردية (شرعية التفتيش الجسدي)
يعتبر التفتيش الجسدي إجراءً ماساً بحرمة الجسد وحرية الأفراد، وهو محكوم بـ قواعد آمرة في قانون المسطرة الجنائية (ق.م.ج). - جهة الاختصاص: الضابطة القضائية (أو من يملك الصفة الضبطية بنص خاص) هي الجهة الحصرية المؤهلة قانوناً لمباشرة التفتيش الجسدي وضمن شروط وحالات محددة (كحالة التلبس)، مع مراعاة إلزامية التفتيش من جنس مماثل (تفتيش الإناث من طرف امرأة) تحت طائلة بطلان الإجراء.
- تكييف الفعل: إن إسناد مهمة التفتيش الفعلي لأطر التدريس أو الإدارة (الحراس) — وهم موظفون عموميون لا يملكون صفة الضبط القضائي — يعد شططاً في استعمال السلطة، وانتحالاً لصفة ينظمها القانون، ويجعل من التفتيش الجسدي اعتداءً مادياً (Voie de fait) موجباً للمسؤولية الإدارية والمدنية، لكونه تم خارج الشرعية الإجرائية.
رابعاً: دفع بخرق السلامة الجسدية والمسؤولية عن المخاطر الصحية (الأجهزة الطبية الحيوية)
يلزم الدستور المغربي (الفصل 20) الدولة بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية لكل مواطن. وحيث إن المنظومة التقنية للجهاز تقوم على مسح الإشارات أو التشويش عليها، فإنها قد تتداخل مع أنظمة أجهزة طبية حيوية ملازمة لبعض المترشحين (مثل: منظمات ضربات القلب Pacemakers، أو مضخات الأنسولين). - التبِعة القانونية: إن غياب دراسات أثر صحي معتمدة وموثقة من جهات علمية مستقلة تضمن عدم تأثير هذه الموجات على الصحة العامة، يضع الإدارة الإقليمية والمركزية تحت طائلة المسؤولية الإدارية على أساس المخاطر في حال حدوث أي عارض صحي لأي مترشح.
خامساً: تساؤل مشروع حول مدى الالتزام بقانون الصفقات العمومية وحرية المنافسة
بما أن الجهاز المذكور يمثل منتجاً تكنولوجياً تم تعميمه وتوريده لفائدة مرفق عام (وزارة التربية الوطنية) من طرف بنية بحثية أو تجارية تابعة لجهة حكومية أو شبه عمومية، فإن التساؤل يثور حول: - مدى التقيد بأحكام مرسوم الصفقات العمومية، لاسيما مبادئ حرية الولوج إلى الطلب العمومي، والمساواة في التعامل مع المتنافسين، وشفافية المساطر.
- هل تم اللجوء إلى مسطرة طلب العروض المفتوح لضمان الفعالية المالية والتقنية؟ أم تم الارتكاز على صيغ استثنائية (كالتعاقد المباشر) دون توفر شروطها القانونية، مما يحجب الكلفة الحقيقية لتمويل هذا المشروع من المال العام.
بناءً عليه:
فإن نبل الغاية المتمثلة في “محاربة الغش وضمان تكافؤ الفرص” لا يبرر إطلاقاً الاعتماد على وسائل تفتقر للمشروعية القانونية أو الإجرائية؛ إذ يجب أن تخضع الوسائل ذاتها لسيادة القانون لضمان سلامة التدابير الإدارية وتحصينها من الطعون القضائية بالبطلان.
*باحث في القانون والسياسات العمومية
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.