2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
متناقضات المادة 1 و5 من مشروع قانون المحاماة رقم 66.23
نبيل غراب*
لقد شكل مشروع القانون رقم 66.23 محطة تشريعية هامة في مسار تحديث مهنة المحاماة وإعادة تنظيمها، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به المحاماة في حماية الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة. غير أن بعض مقتضيات المشروع تثير نقاشاً قانونياً ودستورياً عميقاً، خاصة فيما يتعلق بالتعارض الظاهر بين المادة الأولى من المشروع، التي تؤكد أن المحاماة “مهنة حرة ومستقلة”، وبين مقتضيات أخرى تقيد الولوج إليها، وعلى رأسها شرط تحديد السن الأقصى في 45 سنة وحرمان فئات مهنية من حق الولوج كموظفي الإدارة القضائية في ضرب لمبدأ المساواة مع باقي المهنيين .
فما هي المتناقضات التي سقطت فيها المادة 1 و المادة 5 من مشروع قانون المحاماة؟ مع العلم أننا سنقدم المزيد من المقالات القانونية التي تبتغي تجويد مواد المشروع بشكل يرعي المصلحة العامة التي تعدّ غاية المشرع الأولى .
التناقض الأول: التنصيص على حرية المهنة لكن مع تقييد سن الولوج للمهنة
تنص المادة الأولى من المشروع على أن “المحاماة مهنة حرة ومستقلة، تمارس وفقاً لمقتضيات هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صادقت عليها المملكة وتم نشرها بالجريدة الرسمية.”
ويستفاد من هذا النص أن المشرع أراد تأكيد الطبيعة الخاصة لمهنة المحاماة باعتبارها، مهنة حرة وليست وظيفة عمومية؛ وكونها مهنة مستقلة عن السلطة التنفيذية والإدارة؛ كما انها مهنة مؤطرة أيضاً بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
وهذا التنصيص ليس مجرد إعلان شكلي، بل يترتب عنه آثار قانونية مهمة، من بينها أن شروط الولوج إلى المهنة يجب أن تظل منسجمة مع طبيعتها الحرة، وألا تتحول إلى قيود إدارية مماثلة لتلك المفروضة في الوظيفة العمومية.
فالمحاماة تقوم أساساً على الكفاءة العلمية والتكوين القانوني والنزاهة المهنية، والتنافس الشريف وليس على الاعتبارات العمرية المرتبطة عادة بالمسار الوظيفي داخل الإدارة العمومية.
التناقض الثاني : تحديد السن الأقصى في 45 سنة بشكل يتعارض مع طبيعة المهنة
رغم تأكيد المادة الأولى على حرية واستقلال المهنة، فإن المشروع يشترط في المادة الخامسة ألا يتجاوز سن المترشح 45 سنة، وهو نفس السقف العمري المعتمد غالباً في مباريات التوظيف العمومي. ويثير هذا الشرط من وجهة نظرنا عدة ملاحظات قانونية:
أولا . إسقاط منطق الوظيفة العمومية على مهنة حرة
إن تحديد سن أقصى للولوج إلى المحاماة بمنطق مماثل للوظيفة العمومية يكشف عن توجه تشريعي يخلط بين طبيعة المهنة الحرة وطبيعة الوظيفة الإدارية. لأن الوظيفة العمومية تقوم على عدة أسس منها التدرج الإداري؛ الاستقرار المهني؛ نظام التقاعد؛ متطلبات المرفق العام ، بينما المحاماة هي نشاط مهني حر؛ ولا يخضع لمسار إداري؛ ولا يرتبط بسن معين للإنتاج أو الكفاءة؛
ويعتمد أساساً على الخبرة والتجربة والتكوين المستمر.
وعليه، فإن إخضاع الولوج للمحاماة لمنطق السن المعتمد في الإدارة العمومية يُعد تناقضاً مع وصفها كمهنة “حرة ومستقلة”.
ثانيا. التمييز غير المبرر على أساس السن بالنسبة للطلبة القانونيين مع إقصاء موظفي كتابة الضبط وموظفي الشؤون القانونية في خرق لمبدأ المساواة مع باقي المهنيين
يشكل شرط السن نوعاً من التمييز غير المبرر ضد فئات واسعة من المواطنين والطلبة والموظفين الذين راكموا خبرات علمية أو مهنية ويرغبون في التحول إلى مهنة المحاماة في مرحلة لاحقة من حياتهم.
ولا يوجد مبرر موضوعي يمنع هذه الفئات من ولوج المهنة ما دامت تتوفر فيها الكفاءة العلمية والأهلية المهنية.
بل إن التجارب المقارنة تثبت أن النضج المهني والخبرة العملية يشكلان قيمة مضافة لممارسة المحاماة، لا سبباً للإقصاء منها ولهذا نجد في قانون المحاماة الفرنسي أن المشرع منح حق الولوج لموظفي كتابة الضبط وموظفي الشؤون القانونية بعد انصرام مدة معينة داخل المحاكم، بينما يحرم نظراءهم المغاربة من ذلك ويسمح للأساتذة الجامعيين والقضاة بحق الولوج في خرق لمبدأ المساواة وبتبريرات واهية غير مقنعة ولا تستند على أي أساس قانوني أو واقعي.
التناقض الثالث : تعارض شرط السن مع الاتفاقيات والمبادئ الدولية التي تحيل عليها المادة 1
أحالت المادة الأولى نفسها على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وهو ما يجعل المشروع ملزماً باحترام المبادئ الدولية المؤطرة لمهنة المحاماة.
ومن أهم هذه المرجعيات المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين سنة 1990.
وقد أكدت هذه المبادئ على ضمان الولوج إلى مهنة المحاماة دون تمييز؛ واحترام استقلالية المحامين؛ وتمكين الأشخاص المؤهلين من ممارسة المهنة وفق الكفاءة المهنية فقط.
ولم تتضمن هذه المبادئ أي تحديد لسن أقصى لولوج المهنة، بل ربطت الأمر حصراً بالتأهيل والكفاءة. كما أن فلسفة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تقوم على المساواة؛ عدم التمييز؛ حرية اختيار العمل والمهنة.
وبالتالي فإن فرض سقف عمري جامد قد يُعتبر تقييداً غير متناسب للحق في الولوج إلى المهن الحرة.
كما أن فرض السن يطرح إشكالا دستوريا خاصة في ضوء المبادئ التي يكرسها دستور المملكة، وعلى رأسها: مبدأ المساواة؛ تكافؤ الفرص؛ حرية المبادرة والعمل؛ سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها.
ذلك أن الأصل في المهن الحرة هو الانفتاح على جميع المؤهلين علمياً ومهنياً، وليس الإقصاء بناءً على معيار السن أو الانتماء .
التناقض الرابع : اشتراط الماستر كحاجز اقصائي
تشترط المادة 5 من مشروع قانون المحاماة، الحصول على شهادة الماستر وهو شرط اقصائي يقصي شريحة مهمة من المجتمع لأن المحاماة مهنة تقوم الكفاءة والتنافس لا على اصطناع الحواجز القانونية، خاصة أن جل التجارب المقارنة تعتمد الإجازة في الحقوق، كما أن حرمان حاملي الإجازة بمن فيهم طلبة الشريعة إضرار بحقوقهم في فرص حقيقية ومساس بمبدأ التنافسية والاستحقاق وحرمان للمهنة من روافد مهمة، لأن الإجازة في نهاية المطاف هي شهادة جامعية عليا لا تقل شأنا عن باقي الشواهد الجامعية وبها ولج المحامون في القانون الحالي.
خاتمة
إن الجمع بين التنصيص على أن المحاماة “مهنة حرة ومستقلة” وبين فرض سقف عمري مماثل لما هو معمول به في الوظيفة العمومية يكشف عن تناقض تشريعي واضح داخل مشروع القانون نفسه. فحرية المهنة لا تنسجم مع فرض قيود عمرية غير مبررة، خاصة في مهنة تقوم على الحرية والخبرة والكفاءة أكثر مما تقوم على الاعتبارات المرتبطة بالعمر.
كما أن إحالة المادة الأولى على الاتفاقيات الدولية تجعل من الضروري إعادة النظر في شرط السن، بما يضمن انسجام المشروع مع المبادئ الدولية المتعلقة باستقلال المحاماة وعدم التمييز وحرية الولوج إلى المهن الحرة.
ولا ننسى أيضا أن منع موظفي كتابة الضبط من ولوج المهنة هو إقصاء غير مبرر يخالف مبدأ المساواة الذي يعد من أهم المبادئ الدستورية .
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.
من حق موظفين ولوج المحاماة ،لأن المحاماة ليست ملكا لاحد.
عملا بمبدأ المساواة مع باقي المهنيين.
بمعنى حتى الفلاح يولي محام علاش للا حتى هو مواطن
ياك المهنة حرة