2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
الكبائر السبع للجماعة الترابية للفنيدق.. عندما تتحول الجماعة من قاطرة للتنمية إلى عنوان للانتظار
الزروقي زكرياء*
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾
ليست أزمة الفنيدق اليوم أزمة موارد، ولا أزمة موقع جغرافي، ولا أزمة إمكانيات بشرية. إنها قبل كل شيء أزمة تدبير ورؤية وجرأة سياسية.
فمدينة تتوفر على موقع استراتيجي استثنائي، وتجاور أحد أهم الأقطاب الاقتصادية والسياحية بالمملكة، وتملك واجهة بحرية متميزة ومؤهلات بشرية واعدة، كان يفترض أن تكون نموذجا تنمويا متقدما في شمال المغرب. غير أن الواقع يكشف صورة مختلفة تماما: بنية تحتية متعثرة، مشاريع مؤجلة، اقتصاد محلي هش، فضاءات عمومية تفتقد للجاذبية، وشباب فقد الثقة في المؤسسات المنتخبة.
بعد سنوات طويلة من تداول نفس الوجوه على تدبير الشأن المحلي، يصبح من المشروع طرح السؤال الذي يتجنبه الكثيرون: ماذا قدمت هذه النخب للفنيدق؟ وما هي حصيلتها الحقيقية بعيدا عن البلاغات والصور التذكارية والخطابات الموسمية؟
إن المتتبع للشأن المحلي لا يحتاج إلى تقارير معقدة حتى يدرك أن المدينة تعيش حالة من الركود التنموي المزمن. ولذلك يمكن اختزال أعطاب التجربة التدبيرية فيما أسميه: “الكبائر السبع للجماعة الترابية للفنيدق”.
الكبيرة الأولى: قتل الحلم التنموي للمدينة
أخطر ما ارتكبته النخب المتعاقبة ليس فشل مشروع معين، بل فشلها في إنتاج مشروع مدينة.
لقد تحولت الجماعة إلى مؤسسة تسير اليومي وتدبر التفاصيل الصغيرة، بينما غاب التفكير الاستراتيجي القادر على رسم أفق تنموي واضح للفنيدق.
فأين هي المدينة التي وعدوا بها الساكنة؟
أين هي المشاريع الكبرى؟
أين هي الرؤية الاقتصادية؟
أين هو النموذج التنموي المحلي؟
لقد تم اختزال السياسة في التدبير التقني، واختزال التنمية في بعض الأشغال المتفرقة التي لا تصنع تحولا حقيقيا.
الكبيرة الثانية: اغتيال البنية التحتية بالتقسيط
البنية التحتية ليست مجرد إسفلت وأرصفة، بل هي مرآة الحكامة المحلية.
ومع ذلك، لا يزال جزء مهم من المدينة يعاني من اختلالات متكررة في الطرق والمساحات العمومية والتهيئة الحضرية.
لقد تحولت بعض الأشغال إلى مشاريع دائمة الحضور ودائمة الغياب في الوقت نفسه؛ تنطلق ولا تنتهي، وتنجز ثم يعاد إصلاحها، وكأن المال العام أصبح يدور في حلقة مفرغة.
إن المدينة التي لا تتطور بنيتها التحتية تفقد قدرتها على جذب الاستثمار والسياحة، وتتحول تدريجيا إلى فضاء طارد للتنمية.
الكبيرة الثالثة: إطفاء نور المدينة
قد تبدو الإنارة العمومية ملفا ثانويا للبعض، لكنها في الحقيقة مؤشر على جودة التدبير.
فكيف يمكن الحديث عن مدينة سياحية وجاذبة للاستثمار بينما تعاني أحياء وشوارع من ضعف الإنارة أو هشاشتها؟
الإنارة ليست مصابيح فقط، بل هي أمن وطمأنينة وجمالية حضرية.
وعندما تفشل الجماعة في تدبير أبسط الخدمات الأساسية، يصبح الحديث عن المشاريع الكبرى نوعا من الترف السياسي.
الكبيرة الرابعة: صناعة اقتصاد الانتظار
عاشت الفنيدق تحولات اقتصادية عميقة خلال السنوات الأخيرة.
وكان المنتظر من الجماعة أن تتحول إلى خلية تفكير وإبداع لإنتاج بدائل اقتصادية حقيقية.
لكن ما حدث هو العكس.
فبدل صناعة الفرص، تمت إدارة الأزمة.
وبدل خلق الثروة، تمت إدارة الفقر.
وبدل استقطاب الاستثمار، تم الاكتفاء بتبرير التعثر.
لقد أصبح آلاف الشباب يعيشون على أمل فرصة قد تأتي أو لا تأتي، بينما تواصل الجماعة إنتاج نفس الخطابات ونفس الوعود ونفس الأعذار.
الكبيرة الخامسة: تجفيف الحياة الثقافية والرياضية
المدينة التي تموت فيها الثقافة يموت فيها الأمل.
والمدينة التي يتراجع فيها الاستثمار في الشباب تفتح الأبواب أمام الإحباط والانحراف والهجرة.
لقد تحولت الثقافة والرياضة في الفنيدق إلى ملفات موسمية مرتبطة بالمناسبات أكثر من ارتباطها بسياسة عمومية حقيقية.
أين هي المراكز الثقافية الفاعلة؟
أين هي البرامج المستدامة للشباب؟
أين هي الرؤية الرياضية القادرة على صناعة الأبطال؟
لقد جرى التعامل مع الثقافة والرياضة ككماليات، بينما هما في الحقيقة من أهم أدوات التنمية البشرية.
الكبيرة السادسة: تكريس العزوف وفقدان الثقة
من أخطر نتائج التجربة الحالية أنها ساهمت في تعميق الهوة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة.
فقد أصبح جزء مهم من الساكنة مقتنعا بأن الانتخابات لا تغير شيئا، وأن الوجوه نفسها تعود دائما، وأن الوعود نفسها تتكرر في كل محطة انتخابية.
وعندما يفقد المواطن الثقة في جدوى المشاركة السياسية، فإن الديمقراطية المحلية نفسها تصبح في خطر.
إن أخطر أنواع الفشل ليس فشل المشاريع، بل فشل الثقة.
الكبيرة السابعة: احتكار المشهد ومنع تداول النخب
وهذه أم الكبائر كلها.
فالمشكلة الحقيقية ليست في الأشخاص فقط، بل في عقلية تعتبر الجماعة ملكية سياسية خاصة وليست مؤسسة عمومية.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن الفنيدق لا يمكن أن تنتج نتائج مختلفة بنفس الأدوات ونفس العقليات ونفس الوجوه التي تدير الشأن المحلي منذ سنوات طويلة.
فالتنمية تحتاج إلى دماء جديدة.
وتحتاج إلى كفاءات شابة.
وتحتاج إلى خبرات أكاديمية ومهنية قادرة على فهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة.
إن الديمقراطية ليست فقط حق الترشح، بل أيضا القدرة على الانسحاب عندما تصبح الحصيلة عاجزة عن إقناع المواطنين.
فكما توجد سن للتوظيف، ينبغي أن توجد ثقافة سياسية تقبل بالتجديد والتداول وإفساح المجال أمام جيل جديد يحمل أفكارا جديدة وأدوات جديدة ورؤية جديدة.
خاتمة
إن الفنيدق لا تعاني من أزمة مستقبل، بل من أزمة حاضر.
والمؤسف أن المدينة تدفع اليوم ثمن سنوات طويلة من التدبير التقليدي الذي استهلك الزمن والفرص والآمال دون أن ينجح في تحقيق الإقلاع التنموي المنشود.
لقد حان الوقت لفتح نقاش عمومي شجاع حول حصيلة الجماعة الترابية، بعيدا عن الحسابات الضيقة والمجاملات السياسية.
فالفنيدق أكبر من الأشخاص.
وأكبر من الأحزاب.
وأكبر من المصالح الانتخابية.
الفنيدق تحتاج إلى ثورة هادئة في الفكر التدبيري، وإلى نخب جديدة تؤمن بالكفاءة بدل الولاء، وبالإنجاز بدل الشعارات، وبالمستقبل بدل إعادة تدوير الماضي.
فالأوطان والمدن لا تبنى بمن قضوا أعمارهم في احتلال المقاعد، بل بمن يملكون القدرة على صناعة الأمل.
((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون))
*باحث في القانون والسياسات العمومية
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.