2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
ذ. طارق القاسمي*
كان فلاديمير لينين يردد أن «الحقيقة دائماً ثورية»، غير أن الفقيه الدستوري المغربي الأستاذ محمد أشركي قدّم صياغة أكثر التصاقاً بدولة الحق والقانون حين أكد أن «الحقيقة دائماً دستورية». وهي عبارة تختزل مكانة الدستور باعباره المرجعية العليا لتقييم السياسات العمومية والنصوص التشريعية، ومعياراً أساسياً لقياس جودة التشريع وفعاليته؛ ففي ظل دستور 2011 لم تعد مشروعية القاعدة القانونية تُقاس فقط بسلامة أهدافها، وإنما أيضاً بمدى انسجامها مع مبادئ الحكامة الجيدة، والأمن القانوني، والتناسب، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أصبحت الرقابة الدستورية آلية لضمان جودة التشريع، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ دولة الحق والقانون.
وفي هذا الإطار يندرج النقاش الذي تثيره المادة 63 من مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول، باعتبارها من المقتضيات التي تستوجب التقييم في ضوء المبادئ الدستورية المؤطرة للعمل التشريعي، لاسيما عندما يرتب المشرع مسؤوليات قانونية ذات آثار مهنية وتأديبية مهمة. ومن ثم، فإن الإشكال لا يتعلق بالأهداف التي تروم المادة تحقيقها، وفي مقدمتها تعزيز الأمن التوثيقي والعقاري، وإنما بمدى انسجام الوسائل القانونية المعتمدة مع المبادئ الدستورية الحاكمة لجودة التشريع وقابليته للتطبيق، وبمدى احترام التوازن الواجب بين المسؤولية المفروضة والوسائل القانونية المتاحة لتحقيقها. كل ذلك سنحاول مقاربته من خلال العناصر التالية:
أولاً: الحكامة الجيدة كأساس للتقييم الدستوري
من المميزات الأساسية التي جاء بها دستور 2011 اعتماده مقاربة تشاركية في الإعداد، وإقراره لمفاهيم دستورية جديدة من قبيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، والحكامة الجيدة، والمناصفة، فضلاً عن دسترة مجموعة من المؤسسات والهيئات المستقلة المكلفة بحماية الحقوق والحريات، والنهوض بالحكامة الجيدة، والتقنين، والتنمية البشرية، والديمقراطية التشاركية. وهو ما يعكس انتقالاً نوعياً في فلسفة التشريع والحكامة بالمغرب من منطق السلطة إلى منطق التدبير الدستوري المبني على المشاركة والتقييم والمساءلة.
ويشكل مبدأ الحكامة الجيدة المدخل الطبيعي لتقييم مشروعية المادة 63 من مشروع القانون رقم 16.22. فمن هذا المنطلق، يفرض المشروع نفسه ــ وخاصة المادة 63 منه في علاقتها مع المواد 46 و76 و77 وغيرها من المقتضيات ذات الصلة ــ موضوعاً للنقاش الدستوري بامتياز.
فبعيداً عن أي قراءة فئوية أو مهنية ضيقة، يثور التساؤل حول مدى انسجام هذه المادة مع المبادئ الدستورية المؤطرة للحكامة الجيدة، والأمن القانوني، والتناسب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومدى احترامها للقاعدة الدستورية التي تجعل من توفير الوسائل والضمانات شرطاً لازماً قبل ترتيب الالتزامات والجزاءات.
وقد أكدت المحكمة الدستورية في القرار عدد 89/2019 الصادر في 8 فبراير 2019 أن ممارسة الاختصاصات العمومية تظل مقيدة بمقتضيات الفصل الأول من الدستور الذي يجعل من الحكامة الجيدة أحد الأسس التي يقوم عليها النظام الدستوري للمملكة، وبمقتضيات الفصول التالية: الفصل 21 و35 من الدستور، وكذلك 154 و157 اللذين يخضعان المرافق العمومية لمعايير الجودة، والشفافية، والمحاسبة، والمسؤولية، وقواعد الحكامة الجيدة.
كما أكدت المحكمة الدستورية في اجتهادها المستقر أن فعالية القاعدة القانونية لا تتحقق بمجرد فرض الالتزامات، وإنما تقتضي تمكين المخاطبين بها من الوسائل القانونية والمؤسساتية الكفيلة بضمان تنفيذها.
وانطلاقاً من هذا التوجه، يبرز الإشكال الجوهري للمادة 63، إذ تُحمّل العدل مسؤولية تحقيق نتيجة نهائية تتمثل في استكمال إجراءات التسجيل والتقييد العقاري، دون توفير الأدوات القانونية الكفيلة بضبط جميع مراحل هذه المسطرة المعقدة والمتداخلة.
لذلك، فإن مناقشة المادة 63 لا تنطلق من رفض أهدافها المعلنة في تعزيز الأمن التوثيقي والعقاري، وإنما من ضرورة إخضاعها لاختبار المشروعية الدستورية، باعتبار أن الحقيقة التشريعية، في دولة المؤسسات، لا تكتمل إلا عندما تكون حقيقة دستورية.
ثانياً: الإغفال التشريعي ومأزق تنظيم الجمعية العامة (المواد 146 و147 و148)
لا يقتصر الإشكال على المادة 63 من المشروع، بل يمتد إلى البنية التنظيمية للمهنة كما وردت في المواد 146 و147 و148 من المشروع، حيث تم تنظيم الجمعية العامة للهيئة الوطنية للعدول دون إرساء آليات كافية تضمن فعاليتها المؤسساتية، سواء من حيث الدعوة إلى الانعقاد، أو تفعيل الاختصاصات، أو ضمان ممارسة الأدوار التقريرية في الظروف العادية والاستثنائية.
ويُخشى أن يؤدي هذا النقص إلى تكريس الممارسة الحالية (تطاول الجهاز التنفيذي على الجهاز التقريري “الجمعية العامة”)، وإضعاف البعد التمثيلي للمؤسسة، وتحويلها إلى إطار محدود التأثير في تدبير الشأن المهني.
وقد استقر اجتهاد المجلس الدستوري والمحكمة الدستورية على أن الإغفال التشريعي قد يرقى إلى عيب ذي طبيعة دستورية متى أدى إلى المساس بجوهر مؤسسة، أو تقييد ممارسة اختصاصاتها، أو إفراغها من فعاليتها.
كما أكدت المحكمة الدستورية في قرارها عدد 89/2019 أن غياب المقتضيات المؤطرة لبعض الحالات الجوهرية يشكل إغفالاً تشريعياً يجعل النص القانوني غير مكتمل من الوجهة التشريعية، وهو ما يطرح التساؤل حول مدى اكتمال التنظيم القانوني للهيئة الوطنية للعدول وقدرته على ضمان حسن سير مؤسساتها.
حيث جاء في قرار المحكمة الدستورية المشار إلى مراجعه أعلاه ما يلي:
“وحيث إنه، لئن كانت المقتضيات المنظمة لعمل الجمعية العامة وللمصادقة على برنامج عمل المحكمة، تستجيب لمتطلب إشراك القضاة في تسيير الشأن القضائي للمحكمة، فإن هذا المتطلب، لتحقيق الغاية التي يستهدفها، يجب كفالته بمقتضيات قانونية تُمكن من إعماله في كل الحالات المتصور حدوثها،”
وبذلك، فإن المواد 146 و147 و148 من المشروع تثير إشكالاً يرتبط باكتمال النص القانوني وضمان فعالية المؤسسات المهنية وتوازن السلطة داخلها. فعن أي جمعية عامة نتحدث (باعتبارها أعلى جهاز تقريري في الهيئة) وهي لا تستطيع حتى الانعقاد؟
ثالثاً: الانسجام التشريعي واختبار الجودة التشريعية
تبرز المادة 63 باعتبارها من أكثر مقتضيات المشروع إثارة للنقاش؛ لأنها تضع العدل أمام مسؤولية موسعة تتجاوز في بعض جوانبها حدود سلطته القانونية والفعلية، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى انسجامها مع مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والأمن القانوني.
ويطرح المشروع، من هذه الزاوية، إشكالاً جوهرياً يتعلق بمبدأ الانسجام التشريعي الذي يشكل شرطاً أساسياً لجودة القانون وقابليته للتطبيق.
فالمادة 63 تلزم العدل بتحقيق نتيجة إيجابية دون منحه الوسائل القانونية الكافية لتحقيقها، مما يخلق تناقضاً بين حجم الالتزام وحدود الاختصاص، وهو وضع لا ينسجم مع ما استقر عليه الاجتهاد الدستوري من ضرورة توفير الشروط الموضوعية والقانونية لتنفيذ الالتزامات التي يفرضها المشرع.
ويظهر هذا القصور بشكل أوضح عند مقارنة المادة 63 من المشروع بالمادة 47 من القانون رقم 32.09 المتعلق بمهنة التوثيق، والتي تتشابه معها من حيث النتيجة المطلوبة، غير أن المشرع وفر للموثق في المادة 33 من القانون نفسه آلية قانونية تمكنه من تحقيق هذه النتيجة؛ فتكون بذلك المادة 63 من مشروع قانون العدول استنساخاً تشريعياً للالتزامات بدون ضمانات، وهو استنساخ معيب أثر على جودة التشريع وعلى حقوق المرتفقين التي أصبحت مهددة.
ومن جهة أخرى، فإن روح دستور 2011 تقتضي انفتاح السلطتين التشريعية والتنفيذية على المؤسسات الدستورية المستقلة والاستفادة من خبراتها وآرائها كلما تعلق الأمر بنصوص تشريعية تدخل في دائرة اختصاصاتها. لذلك، فإن إحالة مشروع قانون على مؤسسة دستورية لإبداء الرأي بشأنه، ثم الاستمرار في المسطرة التشريعية دون انتظار نتائج تلك الإحالة، قد يطرح تساؤلات مرتبطة بجودة التشريع ومدى استحضار المقاربة التشاركية التي كرسها الدستور؛ ذلك أن هذه المؤسسات لا تمثل مجرد هيئات استشارية عادية، بل هي مؤسسات دستورية تتمتع بالاستقلالية وتضطلع بأدوار مرتبطة بتنزيل المبادئ الدستورية، الأمر الذي يجعل آراءها وخبرتها ذات أهمية خاصة في تعزيز مناعة النصوص التشريعية وضمان انسجامها مع الدستور.
وفي هذا السياق، نشير إلى أن مشروع قانون العدول أحالته السلطة التشريعية على مؤسسات دستورية مهمة أوصت بمقترحات غاية في الأهمية، إلا أن الحكومة للأسف لم تلتفت إليها؛ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي نموذجاً، ومجلس المنافسة الذي لا زال يشتغل على الإحالة التي وُجهت إليه من طرف المؤسسة التشريعية.
رابعاً: مدى احترام النص التشريعي للفصل 157 من الدستور؟
يقوم الفصل 157 من دستور 2011 على مبدأ أساسي مؤداه أن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يستقيم إلا إذا اقترن بسلطة فعلية على أسباب تحقق النتيجة. وقد عزز المشرع هذا التوجه من خلال القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق للمرافق العمومية الذي صوت عليه البرلمان بالإجماع، والذي جاء في مادته الثالثة:
“تعتبر أحكام هذا الميثاق إطاراً مرجعياً وطنياً لمبادئ وقواعد الحكامة الجيدة، يجب على السلطات الحكومية وجميع مسؤولي المرافق العمومية، كلٌّ في ما يخصه، التقيد بمضامينه والعمل على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتنفيذه.”
كما نص أيضاً على مبادئ الجودة، والشفافية، والنجاعة، والاستمرارية، وتبسيط المساطر، والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
غير أن المادة 63 تُحمّل العدل مسؤولية نتيجة لا تتوقف على فعله وحده، بل على تدخل عدة إدارات ومرافق عمومية وهيئات متداخلة، مما يجعل تحقق النتيجة النهائية خارج نطاق سيطرته الفعلية.
وبالتالي، فإن مساءلته عن هذه النتيجة تثير إشكالاً من زاوية التناسب بين المسؤولية والاختصاص، خاصة في ظل ما يرتبه الباب العاشر من المشروع من آليات للمراقبة والبحث والتفتيش والتأديب (من المادة 101 إلى المادة 130).
ومن ثم، يثار التساؤل حول مدى انسجام المادة مع فلسفة الدستور ومع مقتضيات ميثاق المرافق العمومية التي تربط المسؤولية بنطاق الاختصاص الفعلي وجودة الأداء داخل كل مرفق على حدة.
خاتمة
مما سبق، يتبين أن الإشكال الجوهري الذي تثيره المادة 63 في علاقتها مع باقي المواد ــ التي تطرح بدورها إشكالات دستورية ــ لا يتعلق بالأهداف التي تروم تحقيقها، وفي مقدمتها تعزيز الأمن التوثيقي والعقاري، وإنما يتعلق بمدى توفير الآليات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بتنزيل تلك الأهداف على أرض الواقع حماية لحقوق المواطنين؛ فالمبادئ الدستورية، والاجتهاد القضائي الدستوري، وميثاق المرافق العمومية تتقاطع جميعها حول قاعدة مركزية مؤداها أن المسؤولية لا تنفصل عن الوسيلة، وأن المحاسبة لا تستقيم إلا حيث يوجد تمكين فعلي من أسباب التنفيذ.
وعليه، فإن إعادة النظر في المادة 63 من مشروع قانون العدول وما يرتبط بها من مقتضيات لم تعد مجرد خيار تشريعي، بل أضحت ضرورة يفرضها السعي إلى تحقيق الانسجام التشريعي وضمان المطابقة الكلية للنص التشريعي لمبادئ دستور 2011 ومتطلبات دولة الحق والقانون.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً:
هل يمكن تحميل فاعل مهني مسؤولية نتيجة لا يملك وسائل تحقيقها كاملة، دون المساس بجوهر مبدأ التناسب الدستوري وربط المسؤولية بالمحاسبة؟
*عضو المؤسسة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه