2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
قراءة في المادة 67 من قانون المحاماة وإشكالية الحياد والاستقلالية في المسطرة التأديبية على ضوء المواثيق الدولية
فوزي السعيدي*
مقدمة
تعدّ مهنة المحاماة من المهن النبيلة المرتبطة مباشرة بإقامة العدل وحماية الحقوق والحريات، وهو ما جعل مختلف التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية تحرص على ضمان استقلاليتها باعتبارها شرطاً أساسياً لممارسة حق الدفاع. غير أن استقلال المهنة لا يمكن أن ينفصل عن مبدأ المساءلة المهنية، إذ إن حماية المتقاضين والحفاظ على ثقة المجتمع في العدالة يقتضيان وجود نظام تأديبي فعّال يكفل احترام المحامين لواجباتهم المهنية والأخلاقية.
وفي هذا الإطار، نظم المشرع المغربي المسطرة التأديبية للمحامين بموجب القانون المنظم للمهنة، ومنح للنقيب دوراً محورياً في تلقي الشكايات واتخاذ القرار الأولي بشأنها وفق ما تنص عليه المادة 67. وفي المقابل، أقرت المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة من طرف الأمم المتحدة سنة 1990، مجموعة من الضمانات المرتبطة بضرورة حياد الجهات المكلفة بالنظر في الشكايات التأديبية وضمان استقلاليتها.
وتبرز أهمية الموضوع في النقاش المتزايد حاليا حول مدى انسجام النظام التأديبي للمحامين بالمغرب مع المعايير الدولية ذات الصلة، خاصة فيما يتعلق بمتطلبات الحياد والشفافية والثقة في المؤسسات المهنية.
فإلى أي حد ينسجم الدور القانوني الممنوح للنقيب بموجب المادة 67 من قانون المحاماة المغربي مع المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، ولا سيما تلك المتعلقة بالحياد والاستقلالية في الإجراءات التأديبية؟ وهل يحقق النظام الحالي التوازن المطلوب بين استقلال المهنة وضمانات الشفافية والنزاهة؟
المبحث الأول: الإطار القانوني للمسطرة التأديبية للمحامين بين التشريع الوطني والمعايير الدولية
لقد نظم المشرع المغربي المسطرة التأديبية من خلال المادة 67 من قانون المحاماة لتدبير الشكايات المقدمة في مواجهة المحامي .
المطلب الأول: موقع المادة 67 ضمن النظام التأديبي للمحاماة المغربية
تندرج المادة 67 ضمن المقتضيات المنظمة للتأديب المهني، حيث أوكل المشرع للنقيب مهمة تلقي الشكايات المتعلقة بالمحامين والبت الأولي فيها، وذلك من خلال اتخاذ قرار بالحفظ أو بالمتابعة داخل أجل محدد.
ويبدو من خلال هذا التنظيم أن المشرع أراد منح مؤسسة النقيب صلاحية تدبير شؤونها الداخلية بما ينسجم مع مبدأ استقلال المحاماة، ويجنب المهنة أي تدخل مباشر من جهات خارجية في تحريك المتابعات التأديبية.
لكن هذه السلطة واتساع نطاقها يثيران تساؤلات مرتبطة بمدى كفاية الضمانات المقررة لمراقبتها، خاصة في مرحلة اتخاذ القرار الأولي بالحفظ أو المتابعة وتعارضها مع المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين الذي اعتمدته الأمم المتحدة
المطلب الثاني: الضمانات التأديبية في المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين
أكدت المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، التي اعتمدتها الأمم المتحدة سنة 1990، على ضرورة توفير ضمانات خاصة في مواجهة الشكايات والإجراءات التأديبية الموجهة ضد المحامين.
وتنص هذه المبادئ على ضرورة النظر في الشكايات بسرعة وعدالة، وتمكين المحامي من حق الدفاع، كما تشدد على أن الإجراءات التأديبية ينبغي أن تعرض على لجنة تأديبية محايدة أو سلطة مستقلة أو محكمة، مع إخضاع القرارات الصادرة للمراجعة القضائية المستقلة.
ومن ثم فإن معيار التقييم لا ينصب على طبيعة الجهة المهنية في حد ذاتها، وإنما على مدى قدرتها على توفير الثقة والاطمئنان لجميع الأطراف المعنية بالإجراءات التأديبية.
المبحث الثاني: تقييم مدى انسجام المادة 67 مع متطلبات الحياد والاستقلال
بحكم أن المغرب صادق على عدد كبير من المواثيق والمعاهدات الدولية، فمن الضروري ملائمة التشريعات الوطنية مع هذه المواثيق وتحقيق الانسجام معها.
المطلب الأول: في ضرورة ملائمة المادة 67 مع المعايير الدولية
يمكننا القول إن المشرع المغربي عليه النظر في مدى ملائمة المادة 67 من قانون المحاماة مع المعايير الدولية خاصة أن المواثيق الدولية تسمو على القوانين الوطنية.
فمن جهة، أسند المشرع تدبير المسطرة التأديبية إلى أجهزة مهنية منتخبة، تحقيقا لمبدأ الاستقلالية المهنية. لكن المشرع عليه إيجاد رقابة قضائية كافية على القرارات التأديبية بحيث تشكل ضمانة إضافية لحماية الحقوق والحريات، كما نصت عليها المواثيق الدولية، وحماية المتقاضي الطرف الضعيف في مواجهة المشتكى به وهو الطرف القوي.
المطلب الثاني: حدود الانسجام وإشكالية الحياد الظاهر
رغم ما سبق، فإن النقاش الفقهي يظل قائماً بشأن مدى تحقق الحياد بالمعنى الذي تقصده المعايير الدولية.
فالنقيب، رغم مكانته الاعتبارية وما يفترض فيه من نزاهة وتجرد، يظل جزءاً من الهيئة المهنية نفسها التي ينتمي إليها المحامي المشتكى به. ومن ثم قد يثار التساؤل حول مدى تحقق ما يعرف في الفقه والقضاء المقارن بمبدأ “الحياد الظاهر”، أي ضرورة ألا يقتصر الحياد على الوجود الفعلي فحسب، بل أن يبدو كذلك في نظر الأطراف والمتقاضين.
كما أن اقتصار إمكانية الطعن في قرار الحفظ على الوكيل العام للملك دون المشتكي قد يحد من الشعور بوجود رقابة فعالة على القرارات المتخذة في المرحلة الأولية للمسطرة وهو ما تفطن له مشروع قانون المحاماة الجديد الذي يبقى خطوة متقدمة ورائدة ويحتاج لمزيد من التطوير القانوني من كل الفرقاء.
وفي هذا الإطار، يمكن زيادة التفكير في تطوير النموذج الحالي من المشروع من خلال إحداث آليات مستقلة لتلقي الشكايات أو توسيع نطاق الرقابة على قرارات الحفظ أو إشراك شخصيات قانونية مستقلة في بعض مراحل المسطرة، بما يحافظ على استقلال المهنة ويعزز في الآن ذاته متطلبات الشفافية والنزاهة.
خاتمة
يتبين من خلال دراسة وتحليل المادة 67 من قانون المحاماة المغربي في ضوء المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين أن العلاقة بين النص الوطني والمعايير الدولية لا تقوم على تعارض مباشر بقدر ما تثير نقاشاً حول مستوى الضمانات المؤسسية الكفيلة بتحقيق الحياد والاستقلالية في المسطرة التأديبية.
فإذا كان المشرع المغربي قد اختار إسناد تدبير التأديب إلى الأجهزة المهنية تكريساً لاستقلال المحاماة، فإن التطورات الحديثة في مجال الحكامة القانونية والعدالة المهنية تدفع نحو تعزيز الضمانات المرتبطة بالحياد والشفافية وكذا ملائمة التشريع الوطني مع التشريعات الدولية .
*باحث في الشؤون القانونية