2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
نبيل غراب*
مقدمة
أضحت الشفافية في تدبير المرافق والمؤسسات المهنية إحدى أهم الركائز الأساسية للدولة الحديثة، لارتباطها الوثيق بتعزيز ثقة المجتمع وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وإذا كان نشر بعض القرارات التأديبية المتعلقة بالقضاة والموظفين العموميين قد أصبح جزءاً من منظومة الحكامة الرشيدة، فإن مسألة نشر القرارات التأديبية الصادرة في حق المحامين ما تزال تثير نقاشاً قانونياً ومهنياً متجدداً.
وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها مهنة المحاماة داخل منظومة العدالة، باعتبارها مهنة حرة مستقلة تشارك في تحقيق العدالة وضمان الحقوق، وفي الوقت نفسه تمارس مهنة ذات منفعة عامة تقتضي خضوعها لمقتضيات المساءلة والمراقبة.
ومن ثم يثور التساؤل التالي عند شريحة واسعة من المجتمع: إلى أي حد يمكن التوفيق بين متطلبات الشفافية وحق الجمهور في الاطلاع على نتائج المساءلة التأديبية للمحامين، وبين مقتضيات استقلال المهنة وحماية الحقوق الأساسية للمحامي؟ وما هي النماذج المقارنة في الأنظمة المشابهة؟
المحور الأول : الأساس القانوني لمبدأ الشفافية في المهن المرتبطة بالعدالة
أقر دستور المملكة المغربية لسنة 2011 مجموعة من المبادئ المؤطرة للعمل العمومي والمهني، وفي مقدمتها مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالفصل الأول من الدستور ينص على أن التنظيم الدستوري للمملكة يقوم على أساس ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أن الفصل 27 ينص على الآتي ” للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.” وقد كرس هذا الفصل الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات والمؤسسات والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
كما يعزز ذلك القانون رقم 31.13، من خلال المادة 2 والمادة 3 المتعلقة بالحق في الحصول على المعلومات وهي كلها معطيات قانونية تذهب في اتجاه ضرورة تحقيق آليات المحاسبة ونشرها للعموم تعزيزا لسيادة القانون.
ورغم أن هيئات المحامين لا تعد إدارات عمومية بالمعنى التقليدي، فإنها تضطلع بمهام ذات طابع عام مرتبطة بحسن سير العدالة وتنظيم الولوج إلى المهنة ومراقبة احترام قواعدها الأخلاقية والمهنية.
وعليه، فإن مبدأ الشفافية لم يعد مقتصراً على المرافق الإدارية، بل أصبح توجهاً عاماً يهم مختلف الهيئات المهنية التي تؤدي وظائف ذات أثر مباشر على حقوق الأفراد وثقتهم في المؤسسات.
المحور الثاني: خصوصية النظام التأديبي للمحامين وضرورة احترام التوزان
يقوم النظام التأديبي للمحامين على فكرة التنظيم الذاتي للمهنة، حيث تمارس الهيئات المهنية اختصاصاتها التأديبية في إطار من الاستقلالية مُعطى مفهوم يجسده مبدأ الاستقلالية، غيرأن العقوبة التأديبية تهدف أساساً إلى تقويم السلوك المهني وحماية المهنة، وليست الغاية منها التشهير بالمخالف لأن الحق في السمعة والاعتبار المهني يعد من الحقوق المحمية دستورياً وقانونياً.
غير أن التطورات الحديثة في مجال الحكامة تفرض إعادة النظر في الكثير من المفاهيم خاصة مع انطلاق ورش إصلاح المحاماة في المملكة وهو ورش يهم كل المغاربة بدون استثناء.
فالمحامي يؤدي مهنة نبيلة وشريفة ترتبط مباشرة بحسن سير العدالة، مما يجعل الثقة العامة في آليات ضبط المهنة عنصراً أساسياً في ضمان الأمن القانوني. كما أن غياب أي مستوى من الإفصاح قد يضعف إدراك المجتمع لفعالية النظام التأديبي. فضعف مفهوم الشفافية التأديبيةيؤدي إلى إضعاف الثقة في المؤسسات المهنية وصعوبة تقييم فعالية النظام التأديبي.
المحور الثالث : النموذج الأمريكي في الشفافية التأديبية للمحامين (قراءة مقارنة)
يُعد النموذج الأمريكي من أبرز النماذج المقارنة التي تبنت مقاربة واسعة للشفافية في المجال التأديبي، حيث يتميز بكونه نظاماً لا مركزياً، تتولى فيه كل ولاية تنظيم مهنة المحاماة عبر نقابات أو محاكم عليا مختصة، مع الاستناد إلى قواعد نموذجية صادرة عن الجمعية الأمريكية للمحامين (ABA). ويمتاز هذا النظام ب:
- علنية القرارات التأديبية
إذ في العديد من الولايات الأمريكية، يتم نشر القرارات التأديبية بشكل علني بعد صدورها النهائي، حيث تُعلن أسماء المحامين المعاقبين وطبيعة المخالفات المهنية والعقوبات (التوقيف، العزل، الإنذار) ويتم تعليل القرار وتسبيبه كما يتم النشر عبر مواقع المحاكم العليا، ونقابات المحامين، والمجلات القانونية الرسمية.
على سبيل المثال نأخذ ولاية إلينوي (شيكاغو
تُعد ولاية إلينوي، التي تضم مدينة شيكاغو، نموذجاً واضحاً لهذا التوجه، حيث تصدر المحكمة العليا قرارات دورية تتضمن الإعلان عن أسماء المحامين المعاقبين وأسباب العقوبة ومدتها.
كما تقوم نقابة المحامين في الولاية بنشر هذه القرارات ضمن تقاريرها المهنية، مما يجعل المعلومات متاحة ليس فقط للمهنيين بل أيضاً للرأي العام القانوني.
و يقوم هذا النموذج الأمريكي على ثلاث دعامات رئيسية:
اعتبار المحامي “مسؤولاً أمام القضاء” (Officer of the Court) وتعزيز الثقة العامة في منظومة العدالة بالإضافة إفشاء الثقة وسط المجتمع لكن مع ذلك وجب التنبيه، أن النظام الأمريكي لا يقوم على شفافية مطلقة، بل تظل مراحل التحقيق الأولية غالباً سرية، ولا يتم النشر إلا بعد الوصول إلى مرحلة الاتهام الرسمي أو صدور القرار النهائي وبذلك يعتمد هذا النموذج الأمريكي على “الشفافية المتدرجة” وليس العلنية الكاملة.
المحور الرابع:نشر المقررات التأديبية للقضاة يحتم نشر المقررات التأديبية للمحامين
لقد دأب المجلس الأعلى للسلطة القضائية على نشر المقررات التأديبية للقضاة وهو خطوة متقدمة تعزز الشفافية وروح القانون ومبدأ المساواة أمامه ونجد سنده في المادة 60 من القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، حيث لقيت الخطوة استحسانا من كل المهنيين فلماذا لا يكون نفس النهج مع المحامين؟
صحيح أننا نعترف بخصوصية مهنة المحاماة وضرورة ملائمة القوانين المقارنة معهما، مما يستدعي تبني نموذج وسطي يقوم على نشر القرارات التأديبية النهائية بعد استنفاد طرق الطعن واعتماد النشر المجهل للهوية (أحرف، رموز) مع منع إمكانية التعرف غير المباشر وأيضا نشر التعليل القانوني للقرارات بما يسمح بتكوين اجتهاد تأديبي و إصدار تقارير إحصائية دورية حول النشاط التأديبي لجعلها مادة خامة في البحث العلمي و تعزيز آليات الشكاية وتتبعها لضمان المسطرة العادلة.
وهكذا نوازن بين خلق نموذج قانوني يراعي خصوصية المهنة ويعزز الثقة في المؤسسات المهنية .
خاتمة
إن النقاش حول نشر القرارات التأديبية للمحامين لا يتعلق بالمفاضلة بين استقلال المهنة والشفافية، وإنما بالبحث عن صيغة توازن بينهما. فاستقلال المحاماة يمثل ضمانة أساسية لحقوق الدفاع، غير أن هذا الاستقلال لا ينفصل عن مقتضيات المساءلة والثقة العامة.
ويُظهر كل من النموذج الأمريكي والمقاربة المقترحة إمكانية تحقيق شفافية مؤطرة قانونياً، تقوم على التدرج في النشر، وحماية المعطيات الشخصية، مع تعزيز الثقة في منظومة العدالة.
*باحث في القوانين والأنظمة المقارنة
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه