لماذا وإلى أين ؟

السكن ليس جدراناً… بل كرامةٌ وعدالةٌ اجتماعية

قراءة نقدية في برنامج الدعم المباشر للسكن بالمغرب على ضوء التجارب الدولية
بقلم: خديجة الكور*
مقدمة: حين يصبح السكن مرآةً للعدالة
لا يُقاس تقدّم الدول بحجم عماراتها، بل بقدرة مواطنيها على العيش بكرامة داخل جدرانها. فالسكن اللائق ليس سقفاً يقي من المطر فحسب، بل هو شرطٌ للاستقرار النفسي، وحاضنةٌ للأسرة، ومدخلٌ للاندماج الاقتصادي والمواطنة الكاملة. وحين يتحوّل إلى امتيازٍ مرتبطٍ بالدخل والموقع الاجتماعي، يصبح غيابه عنواناً صامتاً للفوارق.
من هذا المنطلق، يمثّل برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي أطلقه المغرب سنة 2024 ويمتد إلى 2028، تحولاً في فلسفة السياسات العمومية: فبدل دعم المنعش العقاري، انتقلت الدولة إلى دعم المواطن مباشرةً، في محاولةٍ لإعادة صياغة علاقة المغربي بحقه الدستوري في السكن. لكن قيمة أي سياسةٍ عمومية لا تُقاس بحجم ميزانيتها، بل بعمق أثرها الاجتماعي.
أولاً: فلسفة البرنامج وأهدافه
يطمح البرنامج إلى تحقيق خمسة أهدافٍ استراتيجية مترابطة:
• تيسير الولوج إلى السكن أمام ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة؛
• دعم الشباب الذين يشكّلون الفئة الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار؛
• تقليص العجز السكني الوطني المتراكم؛
• تحفيز قطاع البناء بوصفه قاطرةً للتشغيل والنمو؛
• الإسهام في القضاء على دور الصفيح والسكن غير اللائق ضمن البرنامج الخماسي.
ويقوم البرنامج على مساعدةٍ ماليةٍ مباشرة تُمنح للمقتني (لا للمنعش)، تبلغ 100 ألف درهم للسكن الذي لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 و700 ألف درهم. وتستهدف المغاربة المقيمين داخل الوطن وخارجه ممن لا يملكون سكناً ولم يسبق لهم الاستفادة من دعمٍ مماثل.
ثانياً: من المستفيد فعلاً؟ قراءة في الأرقام
تكشف الحصيلة الرسمية ديناميةً حقيقية: فقد تجاوز عدد الطلبات المسجّلة 218 ألف طلبٍ على الصعيد الوطني، فيما بلغ عدد المستفيدين الفعليين أكثر من 101 ألف مستفيدٍ إلى غاية ماي 2025، بارتفاعٍ بلغ 35 بالمائة خلال النصف الأول من السنة مقارنةً بالفترة نفسها من 2024.
وتُظهر بنية المستفيدين توزيعاً دالّاً: يمثّل الشباب دون سن الأربعين نحو 52 بالمائة، والنساء حوالي 40 بالمائة، فيما يشكّل مغاربة العالم قرابة 24 بالمائة. وهي مؤشراتٌ إيجابية تعكس إقبالاً متنامياً وثقةً في الآلية الجديدة.
غير أنّ القراءة الاجتماعية العميقة تكشف عتبةً صامتة: فالولوج الفعلي يظلّ مشروطاً بالقدرة على الحصول على قرضٍ بنكي، وتوفير دخلٍ قارٍّ، وتقديم ضماناتٍ مالية. وهذا يُقصي بنيوياً فئاتٍ واسعةً من العاملين في القطاع غير المهيكل، ومن النساء في وضعية هشاشة، الذين يحتاجون السكن أكثر من غيرهم لكنهم الأبعد عن شروط الاستفادة منه. فالدعم، في صيغته الحالية، يُسعف القادر على الاقتراض، لا العاجز عنه.
ثالثاً: العدالة المجالية بين المدينة والقرية
يتركّز العرض السكني المؤهَّل للدعم في المجال الحضري وشبه الحضري، حيث يتوفّر السكن الجاهز للاقتناء. أما العالم القروي فيطرح إشكالاً مختلفاً جذرياً: فالحاجة هناك ليست إلى شراء وحدةٍ جاهزة، بل إلى البناء الذاتي، وتوسعة المساكن القائمة، وإعادة تأهيل ما هو متهالك.
وبما أنّ البرنامج مبنيٌّ أساساً على منطق الاقتناء، فإنّ سكان القرى يجدون أنفسهم خارج تصميمه، ما يهدّد بتعميق الفجوة المجالية بدل تقليصها، ويجعل الدعم حضرياً في جوهره.
رابعاً: البعد الجندري — حين يكون السكن تمكيناً
يُعدّ السكن من أقوى أدوات التمكين الاقتصادي للمرأة، لما يوفّره من استقلاليةٍ وحمايةٍ واستقرار. وإذا كان حضور النساء بين المستفيدين بنسبة 40 بالمائة رقماً مشجّعاً، فإنه يخفي تفاوتاً داخلياً: إذ تظلّ الأرامل والمطلّقات وربّات الأسر الأكثر تهميشاً، بسبب صعوبة الولوج إلى التمويل، وضعف الضمانات البنكية، والهشاشة الاقتصادية المتوارثة.
وهنا تتأكد ضرورة إدماج مقاربةٍ نوعية (جندرية) صريحة داخل السياسة السكنية، لا تكتفي بإحصاء النساء، بل تصمَّم لرفع العوائق التي تُقصي أضعفهنّ.
خامساً: ماذا تعلّمنا التجارب الدولية؟
تقدّم التجارب المقارَنة دروساً ثمينة، أبرزها أنّ الدعم المالي وحده لا يكفي ما لم يقترن بضبط السوق وتوفير العرض:
سنغافورة: راهنت الدولة على الإنتاج المباشر للسكن العمومي عبر هيئة HDB، مع تنظيمٍ صارمٍ للسوق، فبلغت نسب التملّك مستوياتٍ قياسية تتجاوز 90 بالمائة. الدرس: حين تنتج الدولة العرض، تتحكم في الثمن.
كندا: اعتمدت حسابات الادخار السكني والتحفيز الضريبي لتكوين «المساهمة الذاتية» قبل الاقتناء، فحوّلت الدعم إلى ثقافة ادخارٍ طويل المدى.
فرنسا: طوّرت نظام القرض بدون فائدة (PTZ) لفائدة الأسر المتوسطة والضعيفة، مخفّفةً كلفة الولوج إلى الملكية.
إسبانيا: أنشأت نظام «السكن المحمي» (VPO) بأسعار بيعٍ محدّدة سلفاً من الدولة وقيودٍ على المضاربة، مع دعم الشباب عبر السكن الإيجاري. لكن أزمة 2008 العقارية كشفت الوجه الآخر: التوسّع غير المنضبط في السوق يُنتج فقاعةً تُكلِّف المجتمع أضعاف ما تمنحه. الدرس الأهم: من دون التحكّم في الأسعار وكبح المضاربة، يتسرّب الدعم العمومي إلى جيوب السوق لا إلى المواطن.
سادساً: من الدعم إلى التقييم — أين نحن من قياس الأثر؟
رغم حجم البرنامج وميزانيته، فإنه لم يخضع بعد لتقييمٍ وطنيٍّ مستقلٍّ وشامل. فالمعطيات الرسمية تتركّز على ثلاثة مؤشراتٍ كمّية: عدد الطلبات، وعدد المستفيدين، وحجم الدعم. وهي مؤشرات «نشاط» لا مؤشرات «أثر».
والأسئلة الجوهرية تبقى معلّقة: هل قلّص البرنامج العجز السكني فعلاً؟ هل حسّن ولوج الشباب والنساء؟ هل ضيّق الفوارق المجالية؟ وما أثره الحقيقي على أسعار العقار — هل خفّضها أم ساهم، عبر ضخّ الطلب، في رفعها؟
وتؤكد التجارب الدولية أنّ نجاح السياسات السكنية يُقاس بالأثر لا بالإجراء. ومن ثمّ تبرز ضرورة إشراك مؤسساتٍ مستقلة في التقييم، في مقدّمتها المجلس الأعلى للحسابات، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والجامعات ومراكز البحث.
سابعاً: حدود البرنامج وإكراهاته
• ارتفاع أسعار العقار الذي قد يبتلع أثر الدعم؛
• ضعف العرض في السكن المنخفض التكلفة؛
• ارتباط الاستفادة بالقدرة على الاقتراض البنكي؛
• محدودية البرنامج في العالم القروي والبناء الذاتي؛
• غياب آلياتٍ فعّالة لضبط السوق وكبح المضاربة.
ثامناً: نحو جيلٍ جديد من السياسة السكنية
لتعزيز فعالية البرنامج وتحويله من دعمٍ ظرفي إلى سياسةٍ اجتماعيةٍ مستدامة، يُقترح:
• إحداث مسارٍ خاص بالسكن القروي والبناء الذاتي وإعادة التأهيل؛
• دعمٌ تفاضليٌّ إضافي للنساء المعيلات للأسر؛
• إنشاء حسابٍ وطني للادخار السكني على غرار التجربة الكندية؛
• اعتماد قروضٍ مدعّمة أو بدون فائدة على المنوال الفرنسي؛
• تطوير عرض السكن الإيجاري الميسَّر للشباب؛
• توسيع الشراكة مع الجماعات الترابية لتوفير العرض وضبط الأسعار محلياً.
خاتمة: الامتحان الحقيقي للدولة الاجتماعية
يُشكّل برنامج الدعم المباشر للسكن خطوةً جريئة في مسار بناء الدولة الاجتماعية، ونقلةً في فلسفة التدخّل العمومي. لكنه يظلّ في حاجةٍ إلى تطويرٍ عميق يربط بين الدعم العمومي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وإلى تقييمٍ مستقلٍّ يقيس الأثر لا العدد.
فالمسألة لم تعد في حجم الميزانية أو عدد المستفيدين، بل في قدرة البرنامج على تحويل السكن من سلعةٍ تخضع لمنطق السوق إلى حقٍّ اجتماعيٍّ فعليٍّ ومتاحٍ للجميع. وسيُقاس نجاح هذا الورش بسؤالٍ بسيطٍ لكنه حاسم:
هل أصبح السكن في المغرب حقاً ملموساً لكل المواطنين، أم ما زال امتيازاً مرتبطاً بالقدرة المالية والموقع الاجتماعي؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للدولة الاجتماعية.

*رئيسة منظمة النساء الحركيات

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x