لماذا وإلى أين ؟

ضمنهم ”دعاة الانترنت”.. تقرير فرنسي يرصد وقوف ”الإسلام المغربي” وإمارة الؤمنين ضد موجات التطرف المعاصر

أفاد تقرير حديث أصدره معهد ”الدراسات الجيوسياسية التطبيقية”، مقره العاصمة الفرنسية باريس، بأن المملكة المغربية نجحت في بناء نموذج ديني متميز يشكل أداة تنظيمية ووقائية محورية في مواجهة ديناميكيات التطرف المعاصرة وأزمة المرجعية الدينية التي تفرضها العولمة.

وأوضح التقرير، الذي صدر أمس الخميس، أن المقاربة المغربية صِيغت في أعقاب منعطف تاريخي حاسم تمثّل في تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، حيث لم تقتصر استجابة الدولة على البعد الأمني المحض، بل انطلقت من تشخيص عميق يرى في الإرهاب مؤشرا على هشاشة الحقل الديني وفراغ أيديولوجي استغلته الخطابات المتطرفة في الهوامش الحضرية، دفع السلطات إلى ”عقلنة” بنية التنظيم الديني القائمة تاريخيا وتحويلها إلى خط دفاع وقائي متكامل.

وذكر التقرير الذي يحمل عنوان ””النموذج الديني المغربي في اختبار الديناميكيات المعاصرة للتطرف” أن هذا التحول جاء في سياق رصد أزمة عالمية أوسع تشهدها سلطة المرجعية الدينية جراء العولمة، والتي أدت إلى ثلاثة تحولات كبرى؛ أولها التجزؤ العقدي الناتج عن الانتشار العالمي للتفسيرات الوهابية والسلفية منذ السبعينيات عبر تمويلات ضخمة للتعليم وبناء المساجد مما خلق مرجعيات منافسة للموروث المحلي، وثانيها نزع الإقليمية عن الدين بفعل الفضاء الرقمي وظهور “دعاة الإنترنت” الذين يخاطبون الملايين دون تزكية مؤسسية، وثالثها التدفق العابر للحدود للأطروحات الراديكالية التي تجاوزت القنوات التقليدية لتقدم قراءات حرفية ومسيسة للنصوص الدينية تستهدف الهشاشات الهوياتية والنفسية.

وفي قلب هذه الهندسة التنظيمية، أبرز التقرير مكانة مؤسسة “إمارة المؤمنين” كمصفوفة أساسية تمنح الحقل الديني المغربي تماكسه وشرعيته الاستثنائية في العالم السني المعاصر، مستندة إلى شرعية تاريخية، ونسب شريف، وتكريس دستوري صريح في المادة 41 من دستور 2011.

ويوضح التقرير أن الملك بموجب هذا الوضع لا يمثل سلطة سياسية خارجية تراقب الدين، بل ”سلطة دينية داخلية تمتلك حصريا حق الاحتكار المعياري وضبط الحقل الديني”، ما يتيح له التحكيم في الخلافات المذهبية وإصدار الفتاوى عبر ترؤسه للمجلس العلمي الأعلى، وبذلك يُحرم الفاعلون غير المؤسسيين أو المتطرفون من القدرة على إنتاج أحكام دينية ملزمة للمجتمع، بما يجعل التجربة المغربية مغايرة للمحاولات الإقليمية الأخرى.

وأشار التقرير إلى أن المادة المعرفية لهذه السلطة تتجسد في ثنائية “العلماء والمذهب” من خلال التوليفة المذهبية الرسمية المتمثلة في ثلاثية: المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف الجنيدي السلوكي، حيث تضطلع كل ركيزة بوظيفة حمائية محددة.

فالمذهب المالكي، وفق المعهد الفرنسي، يمنح المنظومة مرونة فقهية وقدرة على التكيف مع الواقع السوسيو-ثقافي، ليقف أمام الأطروحات السلفية الوهابية التي تسعى لمحو الخصوصيات المحلية.

أما العقيدة الأشعرية، فتشكل الإطار الثيولوجي الذي يربط بين العقل والنقل ويرفض الحرفية الجامدة والاقصاء، وهو ما يتناقض جذريا مع الآليات الإدراكية للجماعات الجهادية.

وتكتمل الدائرة بالتصوف المؤسساتي الذي يشغل المساحة الروحية والعاطفية للأفراد، حارما شبكات التجنيد المتطرف من استغلال الظمأ الروحي للمغاربة.

ولفت التقرير الانتباه إلى وجود منظومة مؤسساتية تتكون من أربعة أطراف متكاملة ينسقها التوجيه الملكي: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تدير المساجد البالغ عددها نحو 52 ألف مسجد على الصعيد الوطني وتشرف على خطب الجمعة الموحدة، والمجلس العلمي الأعلى المعني بالفتاوى الرسمية، والرابطة المحمدية للعلماء المتخصصة في البحث وتفكيك الخطاب المتطرف، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات.

ومن بين أبرز مساهمات الرابطة المحمدية للعلماء صياغتها الإرشادية لـ “المغناطيسات الخمسة” التي تستغلها الجماعات المتطرفة لجذب الأفراد، وهي: حلم الوحدة الإسلامية الميثولوجية، والوعد بالرعاية المادية، وتوق الطهرانية الدينية المطلقة، والخطابات الملحمية القيامية، وتقديم اليقين الحاسم في مواجهة تعقيدات الحداثة؛ حيث تعمل المؤسسات المغربية على مواجهة هذه الجواذب عبر تفكيك علمي وثيولوجي متقدم.

وعلى صعيد إعادة التأهيل والمراجعات الفكرية داخل السجون، سلّط التقرير الضوء على برنامج “مصالحة” كأحد أكثر الأبعاد ابتكارا في النموذج المغربي، مبينا أنه يقوم على فلسفة المصالحة متعددة الأبعاد لفائدة المعتقلين في قضايا التطرف والإرهاب.

وقال التقرير إن البرنامج حقق نجاحات ملموسة في خفض معدلات العود، برغم وجود بعض الحدود البنيوية التي ترتبط بآليات اختيار البروفايلات المستفيدة، وغياب التقييم الخارجي المستقل، والاعتماد الكبير على الموارد المؤسساتية الخاصة.

وعلى الخارطة الدولية، أوضح التقرير كيف تحول هذا النموذج الديني إلى أداة لـ “القوة الناعمة” والدبلوماسية الروحية النشطة، لا سيما في الفضاء الساحلي والإفريقي الذي يعاني من توغلات الفكر الوهابي وحركات الإخوان المسلمين الممولة خارجياً.

ويعد معهد محمد السادس لتكوين الأئمة القناة الرئيسية لهذا الإشعاع؛ حيث يستقبل نحو 1500 طالب في الفوج الواحد ضمن مسار تكويني يمتد لثلاث سنوات، ويترخرج منه أئمة ومرشدين من أكثر من 30 دولة أبرزها مالي، والسنغال، وساحل العاج، وغينيا، والغابون، ونيجيريا، إلى جانب دول أوروبية كفرنسا بموجب اتفاقية 2013 لتأطير الجالية.

وترى دول الساحل، بحسب التقريردائما، في هذا العرض المغربي بديلا موثوقا كونه يرتكز على المذهب المالكي المشترك، بالتوازي مع مبادرات استراتيجية أوسع للمملكة مثل مسار الرباط للدول الإفريقية الأطلسية ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب.

واستعراض المعهد، في ختام تقريره، التحديات والحدود التي تواجه هذا النموذج بناءً على دراسات سوسيولوجية وميدانية؛ إذ يُسجل وجود فجوة جيلية واختلاف في التلقي، حيث تتراجع جاذبية المؤسسات الدينية الرسمية لدى بعض الفئات الشابة في الحواضر والهوامش مقارنة بالأجيال السابقة، وتبرز تصورات في الأحياء الفقيرة ترى في الإسلام المؤسساتي خطابات نخبوية بعيدة عن المعاناة اليومية.

كما يمثل الفضاء الرقمي التحدي الأكبر والمستقبلي للمنظومة؛ نظرا لكون آليات الضبط المغربية ترتكز بنيويا على التحكم في الفضاءات المادية، بينما يتشكل التدين المعاصر والنزوع الفرداني للشباب عبر منصات رقمية خارج السيطرة التقليدية. وضع يطرح على العلماء الرسميين، بحسب التقرير، تحديات في استقطاب الجمهور الافتراضي.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x