لماذا وإلى أين ؟

إشكالية عدم إشعار كتابة الضبط بالقرار التأديبي للمحامي لتنفيذه

الغابة ميمون*

مقدمة

تشكل السلطة التأديبية الممنوحة لهيئات المحامين إحدى أهم الضمانات الأساسية لحماية شرف وسمعة المهنة واستقلاليتها وضمان احترام قواعدها الأخلاقية والتنظيمية. ولئن كان توقيع العقوبات التأديبية على المحامي المخالف يدخل ضمن الاختصاصات الأصيلة لمؤسسة النقيب، فإن الإشكال الحقيقي لا يثور عند إصدار العقوبة بقدر ما يثور عند مرحلة تنفيذها وترتيب آثارها العملية داخل المحيط القضائي الذي يباشر فيه المحامي مهامه.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل خاص عند صدور مقرر نهائي بالإيقاف المؤقت عن ممارسة المهنة أو بالتشطيب من الجدول، حيث يطرح التساؤل حول الآليات القانونية الكفيلة بضمان نفاذ هذا المقرر ليس فقط في مواجهة المحامي المعني، وإنما كذلك في مواجهة مختلف المحاكم التي يتعامل معها، وعلى رأسها رئاسة المحكمة وكتابة الضبط.
فهل أغفل المشرع إشعار رئاسة المحكمة ورئاسة كتابة الضبط بالمقرر التأديبي للمحامي؟

المبحث الأول: الإشعار بالمقرر التأديبي في قانون المحاماة لتنفيذه
إن الحديث عن الإشعار بالمقرر التأديبي يحيلنا مباشرة على المادة 71 من قانون المحاماة المغربي، فما هو مضمون المادة؟.
المطلب الأول: مضمون المادة 71 من قانون المحاماة
تنص المادة 71 من القانون المنظم لمهنة المحاماة على ما يلي “يتعين على المحامي الموقوف أو المشطب عليه، بمجرد ما يصبح المقرر قابلا للتنفيذ، أن يتخلى عن ممارسة أي عمل من أعمال المهنة أو أن يتعامل بصفته محاميا.
يفقد المحامي المشطب عليه الحق في وصف نفسه بصفة محام.
يستدعي النقيب المحامي الموقوف أو المشطب عليه ويشعره بوجوب تنفيذ المقرر ويمنحه أجلا لذلك لا يتعدى شهرا.
يشعر النقيب الوكيل العام المعني بالأمر المقرر التأديبي.
في حالة عدم التنفيذ الطوعي، يعين النقيب تاريخ الانتقال إلى المكتب، والسهر على التنفيذ، ويمكنه الاستعانة في ذلك بالنيابة العامة.
لا يمكن تسجيله بجدول أية هيئة أخرى أو تقييده بلائحة المتمرنين بها.”
يتضح لنا من خلال هذا النص أن المشرع رسم مسطرة مهنية خاصة لتنفيذ العقوبات التأديبية، تقوم أساساً على تدخل النقيب باعتباره الجهة المهنية المكلفة بالسهر على تنفيذ المقرر، مع إشعار الوكيل العام للملك المختص، والاستعانة بالنيابة العامة عند الاقتضاء.

ولهذا السبب جعل المادة 71 من قانون المحاماة ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية:

  • التزام المحامي شخصياً بالتوقف عن ممارسة المهنة بمجرد قابلية المقرر للتنفيذ.
  • إشراف النقيب على تنفيذ المقرر.
  • إشعار الوكيل العام للملك بالمقرر التأديبي.
    وبذلك فإن المشرع لم يتعامل مع مقرر التشطيب أو الإيقاف باعتباره حكماً قضائياً يحتاج إلى إجراءات تنفيذ جبرية بالمعنى الوارد في قانون المسطرة المدنية، وإنما باعتباره مقرراً تأديبياً مهنياً تضمن الهيئة المهنية تنفيذه
    المطلب الثاني: إشكالية غياب التنصيص على إشعار رئاسة المحكمة وكتابة الضبط
    رغم وضوح المادة 71 من قانون المحاماة في تحديد دور النقيب والوكيل العام، فإن الملاحظ أنها لم تتضمن أي مقتضى صريح يتعلق بإشعار:
  • رئيس المحكمة.
  • الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف عند الاقتضاء.
  • رئاسة كتابة الضبط.
  • مختلف المصالح القضائية التي يتعامل معها المحامي.
    وهنا يثور تساؤل مشروع: كيف يمكن للمقرر التأديبي أن ينتج آثاره الكاملة داخل المرفق القضائي إذا كانت الجهات المكلفة عملياً باستقبال المقالات والمذكرات والطلبات لا تتوصل بأي إشعار رسمي بشأنه ونقصد هنا كتابة الضبط؟
    ففي المحاكم الكبرى التي تعرف تعدداً في الشعب والغرف ومصالح الإدارة القضائية، يصعب من الناحية الواقعية افتراض علم جميع الموظفين بصدور مقرر تشطيب أو إيقاف في حق محام معين ما لم يتم إشعارهم بذلك بصورة رسمية أو إدراج المعلومة ضمن نظام معلوماتي موحد أو تعليقه في سبورة المحكمة.
    ومن ثم فإن المادة 71 تتحدث عن نفاذ المقرر وعن الجهة المكلفة بالسهر على تنفيذه، لكنها لا تفصل في كيفية انتقال أثر هذا المقرر إلى مختلف مكونات الجهاز القضائي.
    المبحث الثاني: الإشكالات المطروحة داخل المرفق القضائي لغياب التنصيص بالإشعار
    من هذه الإشكالات التي سنتناولها بإيجاز في المطلب الأول هي إشكالات التنزيل داخل المرفق القضائي وخاصية علم كاتب الضبط لترتيب الآثار.
    المطلب الأول: الصعوبات الواقعية
    إذا كانت المادة 71 من قانون المحاماة قد نظمت جوهر التنفيذ، فإنه لم تنظم وسائل تنزيله العملي داخل المحاكم، وهو ما قد يثير صعوبات واقعية تتعلق بإمكانية استمرار المحامي الموقوف أو المشطب عليه في مباشرة بعض الإجراءات أمام مصالح لم يصلها أي إشعار رسمي بالمقرر.

ومن هذا المنظور لا يتعلق الأمر بغياب نفاذ المقرر التأديبي، وإنما بإشكالية ضمان فعاليته العملية في مواجهة الغير، وبالتالي يغيب مبدأ العلم بالعقوبة عند عموم مصالح وشُعب كتابة الضبط المختلفة المعنية بتنفيذ الإجراءات لأننا نتكلم عن منظومة قانونية متكاملة.
المطلب الثاني: نحو قراءة تكاملية للمادة 71 من قانون المحاماة
يبدو من وجهة نظرنا كباحثين أن القراءة الأكثر اتزاناً للمادة 71 من قانون المحاماة تقتضي التمييز بين أمرين أساسيين:
الأول: نفاذ المقرر التأديبي في مواجهة المحامي المعني، وهو أمر يتحقق بمجرد صيرورة المقرر قابلاً للتنفيذ وفق الشروط القانونية.
الثاني: ضمان احترام هذا النفاذ داخل المرفق القضائي، وهو ما قد يستدعي عملياً اتخاذ تدابير تنظيمية إضافية تتمثل في إشعار رئاسة المحكمة ورئاسة كتابة الضبط وتحيين قواعد المعطيات المهنية الخاصة بالمحامين المسموح لهم بالممارسة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن القانون يشترط هذه الإجراءات لصحة التنفيذ، وإنما يعني أنها قد تشكل وسائل عملية لتعزيز فعالية المقرر التأديبي وضمان حسن تنزيله.
خاتمة
تكشف المادة 71 من قانون المحاماة عن إرادة المشرع في إسناد مهمة تنفيذ العقوبات التأديبية إلى الأجهزة المهنية للمحاماة تحت إشراف النقيب وبالتنسيق مع النيابة العامة. غير أن التطبيق العملي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى كفاية هذه الآلية لضمان وصول آثار المقرر التأديبي إلى جميع المصالح القضائية وكتابة الضبط ذات الصلة، خاصة في المحاكم الكبرى متعددة الشعب والمصالح.
ولئن كان النص لا يشترط صراحة إشعار رئيس المحكمة أو رئاسة كتابة الضبط، فإن النقاش يبقى مفتوحاً حول مدى الحاجة إلى تطوير آليات تنظيمية أو تشريعية أكثر دقة تضمن الفعالية العملية لمقررات التشطيب والإيقاف، تحقيقاً للأمن القانوني وحسن سير مرفق العدالة.

*باحث في العلوم الإدارية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

3 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
F36
المعلق(ة)
20 يونيو 2026 11:51

مجرد سؤال ، هل من الممكن اعتبار عملية إخبار الوكيل العام للداءرة القضاءية التي يشتغل ضمنها المحام المعني بالقرار كافية لجعلها ،عبر آلية من آليات النشر و التواصل الداخلية ،لتكون وسيلة لإبلاغ كل الهيءات القضاءية و المساعدة لها بموضوع و مضمون و تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ ؟

علي
المعلق(ة)
20 يونيو 2026 09:14

هل توجد اصلا علوم ادارية

مواطنة
المعلق(ة)
20 يونيو 2026 00:03

يجب تعديل المادة 71 والتنصيص على إشعار كتابة الضبط

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

3
0
أضف تعليقكx
()
x