2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
عبد الكبير طبيح*
صادق مجلس المستشارين على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة في جلسته المنعقدة يوم 23/06/2026، بالأغلبية بخصوص كل مادة، وبالإجماع على النص بكامله.
وظهر بعد التصويت أن مجلس المستشارين أضاف على أصل المشروع مقتضيات تشريعية لم تكن موجودة لا في مشروع القانون الذي قدمته الحكومة، ولا في الصيغة النهائية التي صوتت عليها لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب؛ وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل يملك مجلس المستشارين إضافة قواعد تشريعية لم يتناولها مشروع القانون المقدم من طرف الحكومة، كما لا وجود لها في الصيغة النهائية التي صوت عليها مجلس النواب؟
إن محاولة مقاربة الجواب عن هذا التساؤل لا تتأتى دون الوقوف والتعرف على مدى سلطة واختصاص مجلس المستشارين في مجال التشريع، ليس كما قد يمارسها كمجلس للمستشارين، بل وفق ما خصه الدستور من سلطة واختصاصات.
أكيد أن الدستور لا يتضمن فصلاً محدداً لاختصاصات كل من مجلس النواب ومجلس المستشارين، لكن إن سلطة مجلس المستشارين في التشريع تظهر من استحضار مجال التفويض عن الإرادة العامة التي يتمتع بها من جهة، ومن مجال القضايا التي تُعرض عليه بالأسبقية من جهة أخرى. فهذه المعايير هي التي تحدد في نهاية المطاف مجال ومدى سلطة مجلس المستشارين في التشريع، أي في سلطته في سن القواعد القانونية الملزمة للمواطن.
وبخصوص المعيار الأول المتعلق بمجال التفويض عن الإرادة العامة للمواطن، فإنه إذا كان مجلس النواب يتمتع بحق التمثيل المباشر لإرادة الأمة الناتج عن كون أعضائه منتخبين بالاقتراع العام المباشر للمواطنين، فإن مجلس المستشارين يتمتع بتمثيل لإرادة الأمة بطريقة غير مباشرة، ما دام أنه يتكون من أعضاء يمثلون الجماعات الترابية، والغرف المهنية، والمنظمات النقابية للأجراء والمشغلين، وفقاً لما ينص عليه الفصل 63 من الدستور، أي أنه غير منتخب من قبل المواطنين مباشرة.
وإنه لهذا السبب أعطى الدستور الكلمة الأخيرة في التشريع لمجلس النواب عند الاختلاف بين المجلسين، وفقاً للفقرة الثانية من الفصل 84 من الدستور التي تنص على ما يلي:
“ويعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البت فيه… “
لكن الفصل 84 لم يتناول فقط حق مجلس النواب في الاستئثار بالتصويت النهائي على النص التشريعي، بل ذكر كذلك بكون مجال اختصاص مجلس المستشارين يتمثل في كل ما يتعلق بالجماعات الترابية والمجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية والشؤون الاجتماعية، والتي ألزم فيها مجلس النواب ـ إذا ما أراد مخالفة ما صوت عليه مجلس المستشارين ـ أن يكون التصويت بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين. وهذا المقتضى يعني أنه في غير المجالات التي تهم الجماعات الترابية والمجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية والشؤون الاجتماعية، يحق لمجلس النواب أن يصوت ضد ما صوت عليه مجلس المستشارين فقط بالأغلبية النسبية للحاضرين.
لكن، السؤال المطروح اليوم هو: هل يحق لمجلس المستشارين أن يضيف ويتداول ويصوت على قاعدة قانونية لم تقدمها الحكومة في مشروع القانون، ولم يصادق عليها مجلس النواب في الصيغة النهائية التي أحالها على مجلس المستشارين؟
من الأكيد أن كل من يقرأ الفقرة المشار إليها سيرد بكون البرلمان له حق التعديل وفقاً للفقرة الأولى من الفصل 83 من الدستور. لكن حق التعديل هو حق يمارس على المقتضى التشريعي المقدم في مشروع القانون من قبل الحكومة، أو المقدم في مقترح القانون من قبل عضو البرلمان؛ وحق التعديل هو حق مختلف عن حق التشريع، أي حق إضافة مقتضيات تشريعية لم يقدمها مشروع القانون أو مقترح القانون.
وأن ما يعزز هذا التفرقة وهذا التمييز هو ما تنص عليه الفقرة الأولى من الفصل 84 من الدستور التي تلزم مجلس المستشارين بحصر تداوله وتصويته في مجال التشريع في حدود الصيغة التي أحيلت عليه من مجلس النواب، إذ تنص تلك الفقرة على ما يلي:
“يتداول مجلسا البرلمان بالتتابع في كل مشروع أو مقترح قانون، بغية التوصل إلى المصادقة على نص واحد؛ ويتداول مجلس النواب بالأسبقية، وعلى التوالي، في مشاريع القوانين، وفي مقترحات القوانين التي قدمت بمبادرة من أعضائه. ويتداول مجلس المستشارين بدوره بالأسبقية، وعلى التوالي، في مشاريع القوانين، وكذا في مقترحات القوانين التي هي من مبادرة أعضائه؛ ويتداول كل مجلس في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها إليه”.
ويتبين من هذا المقتضى الدستوري المنصوص عليه في الفصل 84 المذكور أن الدستور حصر حق مجلس المستشارين في التداول والتصويت فقط في الصيغة التي أحيلت عليه من مجلس النواب، وهو بذلك لم يسمح بإضافة مقتضيات تشريعية لم ترد في مشروع القانون المقدم من الحكومة، ولم ترد في الصيغة النهائية التي أحيلت عليه من مجلس النواب.
وإن من الواضح أن الدستور عندما استعمل كلمة (بالأسبقية) الواردة في الفصل 84 المشار إليه أعلاه، فإنها صيغة لا تعني فقط أسبقية في الزمن والترتيب في التداول، بل تعني بالأساس الأسبقية في القرار، كما هو مذكور في الفقرة الثانية من ذلك الفصل.
وأن هذا المقتضى يدفع للسؤال: هل يحق لمجلس المستشارين أن يضيف مقتضى تشريعياً لم تقدمه الحكومة في مشروع قانونها، ولم يرد في الصيغة النهائية المحالة من مجلس النواب؟
إن القانون المنظم لمهنة المحاماة ليس قانوناً قُدِّم للبرلمان في شكل مقترح قانون من قبل عضو من أعضاء مجلس النواب، بل هو مشروع قانون تم التداول فيه من طرف مجلس الحكومة مرتين وتمت المصادقة عليه من قبلها مرتين، وبعد ذلك أحالته على مجلس النواب الذي تداول فيه وصوت عليه، ولم تُذكر فيه المقتضيات التشريعية الجديدة التي أضافها مجلس المستشارين.
وينتج عن ذلك أن ما أضافه مجلس المستشارين من مقتضيات تشريعية جديدة لم تقدمها الحكومة في مشروعها، ولم يتداول ويصوت عليها مجلس النواب في الصيغة النهائية للمشروع، هو إضافة مخالفة لمسطرة التشريع كما هي منصوص عليها في الدستور في فقرته الأولى من الفصل 84 منه.
وللحديث بقية.
*محام بهيئة الدار البيضاء
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه