لماذا وإلى أين ؟

عشر ُملاحظات تؤكد دستورية مشروع قانون مهنة المحاماة

بقلم فوزي السعيدي*
تابعت كغيري من الباحثين عددا من الملاحظات اعتبر فيها بعض القانونيين أن عدداً من مقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة تثير شبهة عدم الدستورية. غير أن القراءة المتأنية للمشروع ولأحكام الدستور تقود إلى نتائج مغايرة، إذ إن أغلب هذه الملاحظات لا تتجاوز كونها اختلافاً في التقدير التشريعي، وليس طعناً جدياً في دستورية النص.
ومن هذه الردود التي نقدمها في إطار التدافع والنقاش الصحي والاحترام المتبادل هي :

أولاً: بشأن القول بخرق مبدأ الديمقراطية التشاركية
الحديث عن غياب المقاربة التشاركية لا ينسجم مع الوقائع الثابتة، حيث عقدت وزارة العدل عشرات الاجتماعات مع جمعيات وهيئات المحامين ومختلف المتدخلين قبل إخراج المشروع في صيغته الحالية. والدستور لا يمنح أي هيئة مهنية حق الفيتو على مشاريع القوانين، وإنما يفرض التشاور والاستماع، وهو ما تحقق فعلاً. أما اشتراط الأخذ بجميع المقترحات، فهو تحويل لمبدأ المشاركة إلى حق في فرض الإرادة، وهو ما لا سند له دستورياً.

ثانياً: إخضاع حساب الودائع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
القول إن هذه الرقابة مخالفة للفصل 147 لأن الأموال ليست أموالاً عمومية، يغفل أن حسابات الودائع تضم أموال المتقاضين والموكلين، وهي ليست ملكاً للهيئات المهنية حتى تتمتع بحرية التصرف فيها بعيداً عن أي رقابة وإذا كان مجلس الحسابات يختص بمراقبة الأموال العمومية فليس هناك ما يمنع من مراقبة أموال الموكلين المودعة في صناديق الهيئات مادام المغرب وقع اتفاقيات دولية للحكامة والشفافية المالية .

إن الغاية من الرقابة ليست المساس باستقلال المحاماة، وإنما حماية حقوق المواطنين وتعزيز الثقة في تدبير هذه الأموال، انسجاماً مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور. واستقلال المهنة لا يمكن أن يتحول إلى حصانة ضد كل آلية رقابية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال الغير.

ثالثاً: الإعفاء من شهادة الكفاءة والتمرين لا يخرق مبدأ المساواة
الاستناد إلى مبدأ المساواة للطعن في الإعفاءات الجديدة يتجاهل أن قانون المحاماة الحالي نفسه يمنح إعفاءات لفئات مهنية، كالقضاة وبعض أساتذة التعليم العالي، ولم يعتبر ذلك يوماً مخالفاً للدستور.

كما أن مبدأ المساواة لا يعني معاملة جميع الأشخاص معاملة واحدة رغم اختلاف مراكزهم القانونية، وإنما يجيز سن شروط واعفاء لبعض المهنيين متى كان ذلك قائماً على مبرر عقلاني يرتبط بالخبرة والكفاءة.

ولو أخذنا بمنطق المعارضين، لوجب المطالبة بإلغاء جميع الإعفاءات المهنية، وإلغاء مجموعة من الشروط التي جاء بها مشروع القانون وتوحيد الرسوم المفروضة على جميع المترشحين، بل وحتى مراجعة شروط الولوج نفسها متى ترتب عنها اختلاف بين المترشحين، وهو استنتاج لا يقول به أصحاب هذا الطرح.

تم تصحيح النص لغويًا وإملائيًا بدقة، مع معالجة الأخطاء الشائعة (مثل ضبط همزات القطع والوصل، ومطابقة التذكير والتأنيث، وتصحيح صياغة بعض الجموع والتركيب النحوي)، وذلك دون أي تغيير في محتوى النص أو أسلوبه أو ترتيب أفكاره:

رابعاً: شروط الترافع أمام محكمة النقض
ليس من اختصاص الدستور تحديد شروط الترافع أمام محكمة النقض، بل يُترك ذلك للسلطة التشريعية في إطار سلطتها التقديرية لتنظيم المهن القانونية بما يحقق حسن سير العدالة.
واشتراط الخبرة أو الأقدمية أو مؤهلات معينة للترافع أمام أعلى جهة قضائية لا يعد تمييزاً مخالفاً للدستور، وإنما تنظيماً مشروعاً يستهدف ضمان جودة الدفاع أمام محكمة تنظر في قضايا قانونية دقيقة.

خامساً: الإحالة على النصوص التنظيمية ليست إغفالاً تشريعياً
اعتبار المعارضين إحالة بعض التفاصيل، كضوابط المعادلة الأكاديمية، على نص تنظيمي إغفالاً تشريعياً، يتعارض مع المبادئ المستقرة في التشريع المغربي، إذ من الطبيعي أن يحدد القانون المبادئ العامة، بينما يتولى التنظيم بيان الإجراءات والتفاصيل التقنية القابلة للتطور.
ولا يمكن اعتبار كل إحالة على السلطة التنفيذية تفويضاً غير دستوري، وإلا أصبحت غالبية القوانين المغربية عرضة للطعن.

سادساً: دور وزارة العدل لا يمس استقلال المهنة
إن منح وزارة العدل اختصاصات تنظيمية في مجالات التكوين أو الولوج إلى المهنة لا يعني إخضاع المحاماة للسلطة التنفيذية، لأن الوزارة تمارس اختصاصاتها باعتبارها السلطة الحكومية المكلفة بقطاع العدالة، وهو أمر معمول به في العديد من الأنظمة القانونية المقارنة.
كما أن استقلال المحاماة لا يعني استقلالها عن المؤسسات، وإنما استقلالها في أداء رسالتها والدفاع عن الحقوق والحريات، مع بقاء تنظيم المهنة من اختصاص السلطة التشريعية والتنفيذية وفق ما يقرره الدستور.

سابعاً: تنظيم مكاتب المحاماة الأجنبية
لا يشكل منح وزارة العدل دوراً في الترخيص للمكاتب الأجنبية مساساً باستقلال المهنة، لأن الأمر يتعلق أيضاً بالسياسة العامة للدولة في مجال الخدمات القانونية والاستثمار والتعاون الدولي، وهي اختصاصات ذات طبيعة سيادية وتنظيمية لا تدخل ضمن التدبير الذاتي للهيئات المهنية وحدها.

ثامناً: التنفيذ المعجل للعقوبات التأديبية
القول بعدم دستورية التنفيذ المعجل يتجاهل أن الجزاءات التأديبية تختلف عن العقوبات الجنائية، وأن التنفيذ الفوري لبعض العقوبات المهنية معمول به في العديد من المهن المنظمة كلما اقتضت المصلحة العامة حماية المتقاضين أو الحفاظ على سمعة المرفق المهني.
وفي جميع الأحوال، يبقى القرار خاضعاً للقضاء المختص، مما يوفر الضمانات القضائية الكافية.
ومن جهة أخرى، فإن المواثيق الدولية تؤكد ضرورة أن تتم مساءلة المحامي أمام هيئات مستقلة ومحايدة، وأن تتوفر ضمانات المحاكمة العادلة. كما أن الواقع العملي كشف عن وجود اختلالات في تدبير بعض الملفات التأديبية، مما يجعل تعزيز الرقابة والشفافية مطلباً يخدم المهنة ولا ينتقص منها.

تاسعاً: شروط الترشح لمجالس الهيئات
وضع شروط للترشح لعضوية المجالس أو لمنصب النقيب يدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرع، ما دامت هذه الشروط تطبق على الجميع دون تمييز، وتهدف إلى ضمان النزاهة وحسن تدبير المؤسسات المهنية، ولا يمكن اعتبار كل شرط انتخابي إخلالاً بالمساواة أو تكافؤ الفرص.

عاشراً: ضمانات العدالة وحقوق الدفاع
الادعاء بأن المشروع يمس بضمانات العدالة جاء عاماً دون بيان دقيق للمقتضيات التي تنال فعلاً من حقوق الدفاع. بل إن عدداً من المستجدات يروم تحديث تنظيم المهنة وتعزيز الشفافية والحكامة، بما يحقق حماية أكبر للمتقاضين ويرفع من مستوى الثقة في مؤسسة الدفاع.

خاتمة
إن النقاش حول مشروع قانون المحاماة ينبغي أن يظل نقاشاً قانونياً هادئاً بعيداً عن إطلاق أوصاف عدم الدستورية دون سند واضح. فالأصل أن المشرع يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في تنظيم المهن، ولا ينهض الدفع بعدم الدستورية إلا إذا ثبت تعارض صريح مع أحكام الدستور، وهو ما لا يظهر من خلال أغلب الانتقادات المثارة، كما أن الضوابط تقتضي ترك المؤسسات تشتغل في جو ومناخ سليم.

*باحث

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x