لماذا وإلى أين ؟

هل خسرت هيئات المحامين معركة التشريع؟

بقلم : ميمون الغابة / باحث في الشؤون القانونية

مع اقتراب مشروع قانون مهنة المحاماة من استكمال مساره التشريعي النهائي وإحالته للمحكمة الدستورية، وبعد مصادقة لجنة التشريع بمجلس النواب على عدد من تعديلات مجلس المستشارين، من بينها إعادة تحديد سن الولوج إلى 45 سنة والإبقاء على عدد من المقتضيات الأساسية، يبدو أن المشروع تجاوز أهم محطات النقاش السياسي والتشريعي. وبينما تواصل هيئات المحامين التعبير عن رفضها لعدد من مواده، يبرز سؤال مشروع: لماذا لم تتمكن هيئات المحامين من تحقيق معظم مطالبها أو التأثير بصورة جوهرية في فلسفة المشروع الذي يكاد يُصبح أمرا محتوما؟

لا يتعلق الأمر هنا بالحكم على جميع مقتضيات المشروع أو تبني موقف الحكومة أو الهيئات، وإنما بمحاولة قراءة الأسباب التي جعلت ميزان القوة يميل، إلى حدود هذه المرحلة، لصالح الوزارة والأغلبية البرلمانية، كما أنه يبقى تحليلا محايدا يقدمه باحث في الدراسات القانونية.

الرأي العام والمحامون

أولى الملاحظات تتعلق بمعركة الرأي العام، وهي المعركة التي أصبحت لا تقل أهمية عن النقاش داخل المؤسسات. فمنذ بداية الجدل، بدا أن جزءًا مهمًا من المواطنين كان يتطلع إلى إصلاحات تعزز شفافية المهنة، وتطوير نظام التأديبوشفافيته، وتحسين علاقة المحامي بموكله، وتسد بعض الثغرات التي أظهرها التطبيق العملي للقانون الحالي. وفي المقابل، لم تستطع الهيئات أن تحول اعتراضها إلى خطاب مجتمعي واسع يشرح للمواطن كيف تنعكس بعض المقتضيات على حقه في الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، كما أن كونية الرسالة التي تحملها المحاماة تقتضي السماح للجميع بإبداء الرأي وتقبل الانتقادات بأريحية لأن الحق في إبداء الرأي والتعبير عنه حق دستوري مكفول في نطاق القانون والمشروعية.

ومن الإنصاف أيضًا الإقرار بأن مشروع القانون لم يكن مجرد نص ينظم الشأن المهني للمحامين، بل تضمن مجموعة من المقتضيات التي اعتبرها مؤيدوه إصلاحات تصب في مصلحة المتقاضي وتعزز الحكامة داخل المهنة. ومن أبرزها تنظيم عقد الوكالة بما يحقق وضوحًا أكبر في العلاقة بين المحامي وموكله، وتمكين المتقاضي من الطعن في مآل الشكايات التأديبية بعدما كان ذلك محصورًا في الوكيل العام، وتحديد مدة ولاية النقيب في ولايتين غير قابلتين للتجديد بما يعزز التداول الديمقراطي على المسؤولية داخل المؤسسات المهنية، إضافة إلى الاتجاه نحو توحيد الرسوم وتنظيمها بنص تنظيمي يحقق مزيدًا من الوضوح والشفافية وإخضاع حساب الودائع رقابة المجلس الأعلى للحسابات.

كما أن الرأي الاستشاري لمجلس المنافسة منح هذا التوجه دعمًا إضافيًا، إذ دعا إلى مراجعة القيود التي تحد من الولوج إلى المهنة، معتبراً أن التسقيف العمري لا ينسجم مع مبادئ المنافسة، وأوصى بفتح المجال أمام فئات تتوفر على خبرة قانونية، من بينها الموظفون العموميون وفق الضوابط القانونية، وكتاب الضبط، ومستشارو الشؤون القانونية بالشركات، فضلًا عن الدعوة إلى إعداد دليل استرشادي للأتعاب، وتقوية ضمانات التأديب والتخليق، وتوحيد الرسوم. وسواء اتُّفق مع هذه التوصيات أم لا، فقد ساهمت في ترسيخ صورة لدى جزء من الرأي العام مفادها أن المشروع يتضمن إصلاحات تستهدف تحسين جودة الخدمات القانونية وتعزيز حماية المتقاضين.

في المقابل، لم تتمكن الهيئات من بناء رواية مضادة بالوضوح نفسه. فقد تركز جانب مهم من خطابها على مفاهيم من قبيل “استقلالية المهنة” و”حصانة المحامي”، وهي مبادئ لا خلاف حول أهميتها في دولة القانون، غير أن شرحها للرأي العام لم يكن، في نظر كثير من المتابعين، كافيًا لإبراز الصلة المباشرة بينها وبين حماية حقوق المتقاضين. فالمواطن كان ينتظر إجابات عملية عن أثر كل مقتضى، أكثر من استحضار مفاهيم قانونية مجردة.

ومن بين الملاحظات التي تداولها عدد من المتابعين أيضًا أن بعض التصريحات الصادرة عن عدد من النقباء والقيادات المهنية اتسمت بنبرة بدت، بالنسبة إلى شريحة من الرأي العام، أقرب إلى مخاطبة الوسط المهني منها إلى مخاطبة المجتمع. وفي معركة يكون الرأي العام أحد أهم أطرافها، فإن الخطاب الإقناعي الهادئ والمبني على التفسير يكون أكثر تأثيرًا من الخطاب الذي يفترض اقتناع المتلقي مسبقًا بالموقف المهني.

عدم القدرة في استقطاب فئات الموظفين والطلبة

كما لم تنجح الهيئات في استقطاب عدد من الفئات التي كان يمكن أن تشكل سندًا لها. فقد أثار تأييد شرط الماستر للولوج إلى المهنة تحفظات لدى عدد كبير من الطلبة الحاصلين على الإجازة، الذين رأوا في ذلك تضييقًا لفرص الولوج. كما أن رفض فتح المجال أمام بعض فئات الموظفين لم يحظ، في نظر كثيرين، بتفسير كافٍ يوضح مبرراته المهنية، وهو ما جعل هذه الفئات أقرب إلى تأييد المشروع من معارضته.

ومن الجوانب التي تستحق التوقف أيضًا طريقة تدبير الحوار مع وزارة العدل. فقد رأى عدد من المحامين أن تفاصيل جولات التفاوض ظلت محصورة في دائرة ضيقة من القيادات، في حين لم يكن التواصل مع القواعد المهنية بالمستوى الذي تسمح به حساسية المرحلة. وفي مثل هذه المحطات، لا يقل إشراك المحامين في مجريات الحوار وتوضيح الخيارات المطروحة أهمية عن التفاوض نفسه، لأنه يعزز الثقة الداخلية ويوحد الخطاب ويمنح القرارات قوة أكبر.

أما الإضراب، ورغم مشروعيته كوسيلة للاحتجاج، فلم يحقق وحده الأثر السياسي المنتظر. فنجاح أي حركة مطلبية لا يقاس فقط باستمرار الاحتجاج، وإنما بقدرتها على كسب الرأي العام، وبناء التحالفات، وإدارة النقاش العمومي بفاعلية. وفي غياب هذه العناصر، يصبح تأثير الإضراب محدودًا، خصوصًا إذا انعكس على مصالح المتقاضين.

نجاح فئات مهنية أخرى في إدارة الترافع

وفي المقابل، قدمت فئات مهنية أخرى نموذجًا مختلفًا في إدارة مطالبها، وفي مقدمتها هيئة كتابة الضبط. فرغم محدودية تمثيلها السياسي مقارنة بالمحامين، استطاعت أن توحد خطابها، وأن تجعل مطالبها واضحة ومفهومة للرأي العام، وأن تستثمر مختلف قنوات الترافع الإعلامية والنقابية والمؤسساتية، وهو ما منحها قدرة أكبر على التأثير في النقاش العمومي. ولا يعني ذلك أن جميع مطالبها تحققت، لكنه يعكس أهمية حسن إدارة المعركة التواصلية وبناء التعاطف المجتمعي.

وتكشف هذه التجربة أن المعارك التشريعية لم تعد تُحسم داخل البرلمان فقط، بل أصبحت تُحسم أيضًا في الفضاء العمومي، حيث تتنافس الحجج والروايات بالقدر نفسه الذي تتنافس فيه النصوص القانونية. ومن ينجح في إقناع المجتمع بأن موقفه يخدم المصلحة العامة، يكون الأقرب إلى التأثير في القرار التشريعي.

ولعل الدرس الأبرز من هذه المحطة هو أن الدفاع عن استقلال المهن يظل حقًا مشروعًا، لكنه يحتاج إلى خطاب واضح ومفتوح، وإلى تواصل مستمر مع القواعد المهنية، وإلى بناء جسور مع المجتمع، حتى يُنظر إلى استقلال المهنة باعتباره ضمانة لحقوق المتقاضين وحسن سير العدالة، لا باعتباره مطلبًا فئويًا. وفي المقابل، فإن أي إصلاح تشريعي، مهما حظي بالتأييد، سيظل في حاجة إلى نقاش مهني جاد يضمن تحقيق التوازن بين تحديث المهنة، وصيانة استقلالها، وحماية حقوق المواطنين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x