2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن المعارضة في الخارج، نقاشاً واسعاً وسجالاً متجدداً حول حدود حرية التعبير والممارسة الديمقراطية في البلاد.
فخلال كلمة ألقاها أمام الجالية الجزائريّة خلال زيارة يقوم بها لألمانيا، أبدى تبون ترحيبه بالمعارضين، شريطة أن تكون معارضتهم “حضارية وبناءة” وتستند إلى تقديم الأفكار والبدائل؛ معتبراً أن الانتقاد حق مكفول لكل جزائري طالما أنه يحترم القوانين ويبتعد عن لغة التجريح والشتم التي لا تنتج سوى الكراهية والعنف على حد تعبيره.
غير أن هذا الخطاب الدبلوماسي سرعان ما اصطدم بجدار من التشكيك والرفض من قِبل طيف واسع من الناشطين والمعارضين الجزائريين الذين اعتبروا هذه الوعود مجرد مناورة سياسية ومحاولة لتجميل صورة النظام الحاكم أمام الشركاء الغربيين خلال جولاته الخارجية.
ويستند المشككون في نوايا الرئاسة إلى التناقض الصارخ بين الخطاب الدبلوماسي الموجه للخارج والواقع القمعي المعاش في الداخل الجزائري؛ حيث يواجه النظام اتهامات مستمرة بتضييق الخناق على أي صوت ناقد ومواجهة حرية التعبير بالاعتقالات والسجون.
ويبرز في هذا السياق نموذج الكاتب الجزائري-الفرنسي بوعلام صنصال، الذي شكل اعتقاله في مطار العاصمة بتهم مرتبطة بـ”المساس بأمن الدولة” وتعبيره عن آرائه الفكرية صدمة حقوقية كبرى وإدانة دولية واسعة للممارسات السلطوية للنظام، قبل أن يفرج عنه لاحقاً بموجب عفو رئاسي تحت ضغوط دبلوماسية مكثفة. ويرى المراقبون أن قضية صنصال وملاحقة العديد من الرموز الفكرية والمعارضة تكشف زيف الشعارات الرسمية حول الديمقراطية والقبول بالرأي الآخر.
وفي هذا الصدد، يرى الإعلامي والمعارض الجزائري المقيم في الخارج، وليد كبير، أن حديث الرئيس تبون عن الترحيب بمعارضي المهجر لن يكتسب أي مصداقية ما لم يُترجم إلى خطوات عملية وملموسة داخل الجزائر نفسها.
ويؤكد كبير في تصريح لـ”آشكاين” أن البداية الحقيقية لأي انفتاح سياسي يجب أن تنطلق من الإفراج الفوري عن معتقلي الرأي، والصحفيين، والسجناء السياسيين، إلى جانب فتح المجال أمام تعددية سياسية وإعلامية حقيقية، ووضع حد للملاحقات الأمنية والقضائية التي تطال المواطنين بسبب آرائهم، حتى في أبسط صورها كالتفاعل أو الضغط على زر الإعجاب بمنشورات المعارضين في الخارج.
ويضيف المعارض الجزائري أن الاكتفاء بالخطابات التصالحية في المحافل الدولية دون إحداث تغيير حقيقي على الأرض يوحي بأن الهدف الأساسي للسلطة هو احتواء وإسكات أصوات المعارضين في المهجر، وليس التأسيس لمسار ديمقراطي جاد.
ويتساءل المتابعون للمشهد الجزائري عن جدوى دعوة المعارضة المغتربة للحوار والعودة في وقت تضيق فيه المساحات السياسية والإعلامية في الداخل إلى أدنى مستوياتها؛ إذ لا تقتصر حدود التضييق على ملاحقة الأفراد وسجناء الرأي، بل تمتد لتشمل مقاربات أمنية أوسع تطال مناطق بأكملها داخل البلاد، وفي مقدمتها منطقة القبائل التي يصفها ناشطون حقوقيون وسياسيون بأنها تعيش تحت وطأة حصار أمني وسياسي خانق وغير معلن؛ فالمنطقة التي طالما شكلت معقلاً للحراك والاحتجاجات السياسية والثقافية المطالبة بالحريات تشهد اليوم تضييقاً مستمراً يستهدف نشطاءها، مما يجهض أي إمكانية لبلورة نقاش محلي حر ومستقل.
تصريحات الرئيس الجزائري يمكن إدراجه في سياق الصراع المستمر على كسب الشرعية؛ فبينما تحاول السلطة تقديم نفسها كراعٍ لعملية انفتاح سياسي هادئ ومستعد لتقبل الأفكار البديلة، ترى المعارضة أن المحك الحقيقي لصدق أي مبادرة يكمن في إحداث انفراج سياسي ملموس داخل البلاد أولاً، يبدأ بإطلاق سراح معتقلي الرأي، ورفع القيود عن العمل الحزبي والإعلامي، وإنهاء القبضة الأمنية المفروضة على المناطق المعارضة، ليبقى التساؤل مطروحاً حول ما إذا كان هذا الطرح سيتجاوز حدود الاستهلاك الدبلوماسي ليلامس عمق الأزمة السياسية في الجزائر.