2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
تتجه العلاقات المغربية الفرنسية نحو محطة مفصلية يرتقب أن تفضي إلى توقيع معاهدة صداقة “غير مسبوقة”، في خطوة تعكس انتقال الشراكة بين الرباط وباريس من مرحلة التنسيق السياسي والاقتصادي إلى إطار استراتيجي طويل الأمد، وفق ما أعلنه المسؤولون في البلدين خلال أشغال الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى، المنعقد اليوم الخميس 16 يوليوز بالرباط.
الخبير في العلاقات الدولية، البراق شادي عبد السلام، يعتبر أن الاجتماع الحكومي رفيع المستوى “يجسد عقيدة الوضوح وثبات الموقف التي باتت تفرضها الدبلوماسية المغربية كشرط لبناء التحالفات الدولية”، معتبرا أن الانتقال نحو معاهدة صداقة جديدة “يثبت أن صناع القرار في باريس استوعبوا التحول البنيوي للمملكة كقوة إقليمية صاعدة ولاعب جيوسياسي لا يمكن تجاوزه في الفضاء الأورو-إفريقي”.

وأضاف البراق، في تصريح لجريدة “آشكاين”، أن فرنسا “انتقلت من مقارباتها الكلاسيكية لتتعامل مع الرباط على أساس الندية السياسية الكاملة، والاحترام المطلق للمصالح الحيوية، والاعتراف الصريح بالحقوق السيادية المشروعة للمغرب على كامل ترابه”، معتبرا أن ذلك يمثل “قطعا نهائيا مع مخلفات العلاقات التقليدية الموروثة عن الماضي الكولونيالي”.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية أن المعاهدة المرتقبة لا تقتصر على بعدها السياسي، بل تهدف أيضا إلى “مأسسة الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء وتحويله من إعلان سياسي إلى التزام قانوني وبنيوي عابر للحكومات”، مشيرا إلى أن الاتفاقيات الاقتصادية المرتقبة ستمنح الشركات الفرنسية موقعا متقدما في المشاريع الكبرى التي يطلقها المغرب، خصوصا في مجالات القطار فائق السرعة، والهيدروجين الأخضر، والاقتصاد الرقمي.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما أعلنه أخنوش، الذي أكد أن المرحلة المقبلة ستعرف تعميق التعاون في مجالات الانتقال الطاقي، وإزالة الكربون من الصناعة، والبنيات التحتية الجديدة، والربط السككي والمينائي، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية والبحث العلمي.
وفي الجانب الأمني، شدد لوكورنو على أن المباحثات مع المسؤولين المغاربة شملت ملفات مكافحة الإرهاب، والأمن الإقليمي، والتحديات الدولية، مؤكدا أن التنسيق بين الرباط وباريس يشكل أولوية خلال المرحلة المقبلة.
واعتبر البراق شادي عبد السلام أن هذا البعد يمثل أحد أبرز مخرجات القمة، موضحا أن التحالف الأمني بين البلدين “يمثل صمام أمان للاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط”، من خلال تعزيز التنسيق الاستخباراتي، ومكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والهجرة غير النظامية، مضيفا أن مذكرات التفاهم الأمنية الموقعة بين الجانبين ستعزز تبادل المعلومات، والمعدات التقنية، والمراقبة المشتركة للحدود البحرية.
وعلى المستوى الإقليمي، يرى البراق أن المعاهدة المرتقبة ستمنح المغرب موقعا أكثر مركزية في السياسة الفرنسية تجاه إفريقيا، موضحا أن باريس أصبحت تراهن على المبادرات المغربية، وعلى رأسها المبادرة الملكية الأطلسية، لتعزيز حضورها في منطقة الساحل بعد تراجع نفوذها التقليدي، معتبرا أن هذا التعاون “سيسهم في صياغة معادلة أمنية وتنموية جديدة تدعم استقرار دول الجوار، وتحد من انتشار الجماعات المسلحة، والشبكات الإرهابية، والانفصالية”.
وكان الوزير الأول الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، قد أكد خلال تصريح صحفي، أن زيارة الدولة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا ستشكل محطة حاسمة، إذ يرتقب أن تتوج بالتوقيع على معاهدة صداقة “استثنائية” تتجاوز في مضمونها ومستواها اتفاقية “الشراكة الاستثنائية المعززة”، بما يفتح مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية ويترجم إلى “قرارات تاريخية” خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
وأوضح لوكورنو أن اجتماع الرباط يأتي لتفعيل التوجيهات الصادرة عن قائدي البلدين، ومتابعة تنفيذ القرارات التي أعقبت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، مشيرا إلى أن وتيرة الزيارات الوزارية المتبادلة عكست الدينامية الجديدة للعلاقات، حيث استقبلت فرنسا نحو عشرين وزيرا مغربيا، مقابل تنظيم ست عشرة زيارة وزارية فرنسية إلى المملكة.
من جانبه، اعتبر رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن الشراكة الاستثنائية التي أطلقت خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى المغرب “فتحت صفحة جديدة في العلاقات بين بلدينا”، موضحا أن اجتماع الرباط “يشكل إعلانا عن الدخول في مرحلة التنفيذ العملي لهذه الرؤية المشتركة”، من خلال ترجمة الالتزامات السياسية إلى مشاريع ونتائج ملموسة.
وأشار أخنوش إلى أن العلاقات الثنائية شهدت، منذ أكتوبر 2024، تقدما على المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، مبرزا أن موقف باريس الداعم لمغربية الصحراء أسهم في تعزيز مناخ الثقة بين البلدين، كما ساهم في تسريع مشاريع مشتركة في مجالات الصناعة والبنيات التحتية والطاقات المتجددة واللوجستيك والابتكار.