2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
لم تقتصر مخرجات الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى، الذي عقد أمس الخميس 16 يوليوز الجاري بالرباط، على توقيع اتفاقيات تعاون جديدة، بل حملت مشاريع استراتيجية تراهن الرباط وباريس على أن تشكل رافعة لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية. ويأتي في مقدمتها تمديد خط القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، وإطلاق مسار مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وفرنسا، إلى جانب اتفاقيات تهم النقل والطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
وأكد الوزير الأول الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، أن البلدين يعملان على خلق تآزر جديد بين المقاولات المغربية والفرنسية ودمجها في سلاسل قيمة مشتركة، مشيرا إلى أن التعاون الاقتصادي انتقل إلى مستوى أكثر طموحا يقوم على الاستثمار المشترك في القطاعات الاستراتيجية.
وفي تقييمه لنتائج القمة من الناحية الاقتصادية، اعتبر الخبير الاقتصادي، أمين سامي، أن “الاجتماع المغربي الفرنسي الرفيع المستوى لم يكن مجرد حفل توقيع، بل محاولة للانتقال من علاقة تجارية تقليدية إلى ترابط استراتيجي في شبكات النقل والطاقة والماء والصناعة والمعرفة”، موضحا أن ما تحقق يعكس “انتقالا نوعيا من منطق التعاون القطاعي المتفرق إلى بناء شراكة اقتصادية قائمة على تكامل البنيات التحتية وسلاسل القيمة بين المغرب وفرنسا وأوروبا”.
وأضاف سامي، في تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن أهمية الاتفاقيات “لا تكمن فقط في قيمتها المالية، بل في قدرتها على تقليص المسافات الاقتصادية، وتأمين الطاقة والماء، وتوسيع القاعدة الصناعية، وتحسين جاذبية المغرب للاستثمار”، معتبرا أن الرهان الحقيقي يتمثل في الأثر الذي ستحدثه هذه المشاريع على الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.

ويبرز ضمن المشاريع المعلنة تمديد خط القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، الذي تقدر كلفته بحوالي 53 مليار درهم، ويمتد على نحو 430 كيلومترا، ليشكل أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وأكد سامي أن هذا المشروع “ليس مجرد وسيلة نقل، بل مشروع لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية الوطنية”، موضحا أن الخط الجديد “سيضغط الزمن بين طنجة والرباط والدار البيضاء ومراكش، ويربط الموانئ والمطارات والمراكز الصناعية والسياحية ضمن ممر اقتصادي واحد”.
وشدد سامي على أن هذا الربط سيساعد أيضا على “تحرير جزء من الخطوط التقليدية، بما يرفع قدرتها على استيعاب قطارات القرب ونقل البضائع، وهو ما سينعكس إيجابا على تنافسية الاقتصاد الوطني”.
ولا يقل مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وفرنسا أهمية عن مشروع القطار، إذ اعتبره الخبير الاقتصادي أحد أكثر المشاريع تحولا على المدى البعيد، بالنظر إلى ما يمكن أن يحدثه في موقع المغرب داخل سوق الطاقة.
وفي هذا الإطار، قال سامي: “إن مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وفرنسا، على المدى البعيد، أكثر تحولا من القطار نفسه؛ لأنه قد ينقل المغرب من وضعية بلد ينتج الطاقة المتجددة للاستهلاك المحلي إلى موقع عقدة طاقية تربط إفريقيا بالسوق الأوروبية”، منبها إلى أن “المعلن حاليا هو إطلاق طلب لإبداء الاهتمام ودراسة الحلول القابلة للتمويل والتسويق”، في انتظار الانتقال إلى مراحل التنفيذ.
وعن الأثر الاقتصادي المنتظر، أوضح أمين سامي أن نتائج هذه المشاريع لن تظهر دفعة واحدة، بل ستتوزع على مراحل مختلفة، إذ يرى أن “اقتصاديا، ستظهر آثار الاجتماع على ثلاث مراحل: أثر فوري يتمثل في تعزيز الثقة وتسريع التمويلات؛ وأثر متوسط يرتبط بالاستثمار والبناء والتشغيل والطلب على المواد والخدمات؛ وأثر هيكلي يتمثل في رفع الإنتاجية وجذب الصناعات الخضراء وتوسيع الأسواق وتحويل المغرب إلى منصة لوجستية وطاقية وصناعية مشتركة بين أوروبا وإفريقيا”.
ورغم هذه الآفاق، يشدد سامي على أن نجاح هذه المشاريع لن يتحقق تلقائيا، بل يرتبط بمدى قدرة المغرب على تحويلها إلى فرصة لتطوير نسيجه الصناعي، موضحا أن “القيمة المضافة المغربية لن تكون تلقائية”، وأضاف: “إذا اقتصر التعاون على تمويل البنيات واستيراد القطارات والتجهيزات، فسيحصل المغرب على أصول حديثة، لكن جزءا مهما من القيمة الصناعية سيبقى في الخارج”.
واعتبر سامي أن الرهان الحقيقي اليوم، بعد انتهاء القمة، يكمن في أن “تقترن الاتفاقيات بنسب إدماج محلي، ونقل التكنولوجيا، وتكوين المهندسين، وإشراك المقاولات المغربية، وتصنيع مكونات القطارات والشبكات الكهربائية”، لأن ذلك “سيحول هذه المشاريع من مشتريات كبرى إلى سياسة تصنيع حقيقية، تخلق الثروة على مختلف الأبعاد والأصعدة والقطاعات”.
ونبه أمين سامي إلى أن الحكم على نجاح القمة لن يكون بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بنتائجها على أرض الواقع، مؤكدا أن “معيار النجاح ليس عدد الاتفاقيات، بل حجم التمويلات المصروفة فعليا، ونسبة المحتوى المحلي، وعدد الوظائف الدائمة، ونقل المعرفة، وتوزيع المنافع بين الجهات، وقدرة المشاريع على تحسين تنافسية المقاولة المغربية والقدرة الشرائية وجودة الخدمات”.