لماذا وإلى أين ؟

حصيلة الحكومة: معارضة المعارضة أكثر من معارضة الاختلالات

هيثم لحجيري*

منذ تنصيب الحكومة الحالية، كان الرهان معقوداً على إرساء مرحلة سياسية جديدة قوامها الحوار المؤسساتي، والانفتاح على مختلف المبادرات، وترسيخ ممارسة ديمقراطية تجعل من المعارضة شريكاً في تجويد السياسات العمومية لا مجرد طرف تختلف معه الأغلبية في كل شيء. غير أن الممارسة السياسية خلال هذه الولاية أفرزت، في أكثر من محطة، انطباعاً مغايراً، مفاده أن جزءاً مهماً من الجهد السياسي للأغلبية انصرف إلى معارضة المعارضة أكثر من انصرافه إلى مناقشة مضمون المقترحات والبدائل. وهو ما انعكس على النقاش التشريعي، وعلى تدبير عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وحتى على طريقة التعاطي مع المبادرات السياسية المنافسة.

لقد نص الدستور المغربي بوضوح على المكانة الدستورية للمعارضة، ومنحها أدواراً أساسية في تقييم العمل الحكومي وإغناء التشريع والمساهمة في تطوير السياسات العمومية. غير أن ترجمة هذه المقتضيات على أرض الواقع ظلت، في كثير من المناسبات، محكومة بمنطق الأغلبية العددية أكثر من منطق النقاش المؤسساتي.

ويظهر ذلك بوضوح في عدد من المبادرات التشريعية التي تقدمت بها فرق المعارضة، والتي قوبلت بالرفض رغم ارتباطها بقضايا مجتمعية واقتصادية تحظى باهتمام واسع. ومن بين هذه المبادرات، مقترحات قوانين تروم منع بيع السجائر للقاصرين وتعزيز الحماية القانونية للأطفال من مخاطر التدخين، وهي مبادرات تنسجم مع التوجهات الوطنية والدولية في مجال الصحة العمومية والوقاية، ومع ذلك لم تحظ بالدعم اللازم داخل المؤسسة التشريعية.

كما تجلى هذا المنطق في النقاش المرتبط بالقدرة الشرائية للمواطنين، حيث تمكنت الأغلبية بمجلس المستشارين من إسقاط مقترحي قانون يتعلقان بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “لاسامير” لفائدة الدولة، بعدما كانا قد حظيا بالموافقة داخل لجنة الاقتصاد والمالية. وخلال الجلسة العامة، صوت الفريق الحركي إلى جانب فريقي الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب لصالح المقترحين، انطلاقاً من قناعة مفادها أن كل المبادرات الرامية إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين أو تعزيز الأمن الطاقي تستحق النقاش والدعم، بغض النظر عن الجهة التي تقدمت بها. في المقابل، اختارت مكونات الأغلبية التصويت ضد المقترحين، وهو ما عكس استمرار مقاربة تقوم على ترجيح الاعتبارات السياسية على النقاش الموضوعي لمضمون المبادرات وأثرها المحتمل على المواطنين.

وإذا كانت الحكومة لم تتمكن من تسقيف أسعار المحروقات، فإن كثيراً من المواطنين يعتبرون أنها انتهت إلى تسقيف سقف انتظاراتهم، في ظل استمرار الضغط على القدرة الشرائية. ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، برزت تبريرات متباينة لرفض مقترح تسقيف الأسعار، من بينها القول إن الأولوية ينبغي أن تكون لتسقيف أرباح شركات المحروقات وليس الأسعار نفسها، في حين أن الرأي العام يتساءل عن حصيلة خمس سنوات من المشاركة في تدبير الشأن العام، وما الذي حال دون اتخاذ أي مبادرة عملية في هذا الاتجاه عندما كانت كل أدوات القرار متاحة.

ولا يختلف الأمر كثيراً في قطاع التربية الوطنية، حيث رافقت عدداً من الأوراش الإصلاحية، وعلى رأسها برنامج “مدارس الريادة”، نقاشات واسعة حول فلسفة الإصلاح وآليات تنزيله وضمان العدالة المجالية وتكافؤ الفرص. وقد عبرت المعارضة، ومن بينها الحركة الشعبية، منذ البداية عن ملاحظات مرتبطة بتعدد النماذج التعليمية، ومكانة الأستاذ، وآليات التقييم، وخصوصية العالم القروي، وهي ملاحظات اعتبرها البعض آنذاك مجرد مواقف سياسية. غير أن التطورات اللاحقة، وما أفرزته التجربة الميدانية من نقاشات، أظهرت أن جزءاً من تلك التساؤلات كان مشروعاً، بل إن أصواتاً من داخل الأغلبية نفسها بدأت تدعو إلى تقييم أكثر موضوعية لهذا الورش. وقد أظهرت هذه التجربة أن الملاحظات التي عبرت عنها المعارضة منذ البداية لم تكن تعبيراً عن رفض الإصلاح، بقدر ما كانت دعوة إلى تحسينه وتقويم مساره.

إن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لرفض كل ما يصدر عن المعارضة، لأن جودة التشريع والسياسات العمومية لا تقاس بهوية صاحب المبادرة، وإنما بقدرتها على خدمة المصلحة العامة. كما أن قوة أي حكومة لا تقاس بعدد الأصوات التي ترفض بها المقترحات، وإنما بقدرتها على استيعاب الأفكار الجيدة أينما كان مصدرها.

وإذا كان من الطبيعي أن تتنافس الأحزاب حول البرامج والرؤى، فإن ما يثير الانتباه مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة هو انتقال بعض مكونات الأغلبية إلى تبني مبادرات وشعارات سبق أن طرحتها المعارضة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك المبادرات التواصلية التي ظهرت خلال الآونة الأخيرة، والتي حملت في مضامينها وأفكارها تقاطعاً واضحاً مع مبادرات أطلقتها المعارضة في وقت سابق، وفي مقدمتها مبادرة الحركة الشعبية تحت عنوان “جا الوقت”. وليس في الأمر ما يثير الاستغراب، فالأفكار الجيدة بطبيعتها تجد طريقها إلى النقاش العمومي، لكن المفارقة تكمن في أن من كان يملك سلطة القرار طوال خمس سنوات لم يجد ما يقدمه للمواطن إلا عند اقتراب موعد الانتخابات، وكأنما تذكر أولويات المواطنين مع اقتراب موعد تقييم الحصيلة.

ومن هذا المنطلق، فإن استنساخ المبادرات لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنجاز، كما أن تغيير العناوين لا يغني عن تقييم موضوعي لما تحقق فعلاً. فالسياسة ليست إعادة إنتاج أفكار الآخرين، بل هي القدرة على المبادرة في الوقت المناسب، وتحمل مسؤولية القرار، والوفاء بالالتزامات قبل البحث عن الشعارات.

وفي هذا السياق، يطرح التعاقد الحركي نفسه باعتباره تصوراً سياسياً متكاملاً، يقوم على فلسفة جديدة ويؤسس لمنطق الالتزام المتبادل وربط الوعود بالنتائج، بعيداً عن المقاربات التقليدية التي تختزل العمل الحكومي في برامج انتخابية ظرفية. ولم يعد مستغرباً أن تجد بعض مكونات المشهد السياسي نفسها تستلهم عدداً من مفاهيمه وشعاراته، لأن الرؤى التي تنطلق من تصور واضح وقابل للتنزيل تفرض حضورها في النقاش العمومي، حتى لدى من كانوا بالأمس القريب يتجاهلونها أو ينتقدونها.

وفي النهاية، فإن تقييم أي حصيلة حكومية لا ينبغي أن ينطلق من حجم الخطاب، بل من أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين، ومن قدرة الحكومة على الإنصات للنقد، والتفاعل مع المبادرات، واحترام الدور الدستوري للمعارضة باعتبارها شريكاً في البناء الديمقراطي. فالديمقراطية لا تقوى بإسقاط مقترحات المعارضة، وإنما تزدهر عندما يصبح معيار القبول أو الرفض هو المصلحة العامة، لا الموقع السياسي لصاحب الفكرة.

فالرهان اليوم ليس على أغلبية تعارض المعارضة، وإنما على أغلبية تنصت لكل المبادرات الجادة، لأن قوة الديمقراطية لا تقاس بعدد المقترحات التي تسقط، بل بعدد الأفكار التي تتحول إلى سياسات عمومية تخدم المواطن، أياً كان صاحبها. وفي النهاية، تبقى الحصيلة الحقيقية لأي حكومة فيما تنجزه للوطن والمواطن، لا فيما تعارضه من أفكار ومبادرات.

*طالب في الدراسات السياسية والعلاقات الدولية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x