لماذا وإلى أين ؟

هيبة الدولة واستمرارية مرفق العدالة: متى يصبح التدخل القانوني واجبًا؟

ميمون الغابة

بداية هذا مقال رأي يدخل ضمن حرية الرأي والفكر المنصوص عليه دستوريا ويناقش مسألة تعطيل المرفق العام وأثره على حقوق المتقاضين والاستثمار.

ليست هيبة الدولة شعارًا سياسيًا، بل هي ثمرة احترام القانون والدستور، وانتظام عمل المؤسسات، وضمان الحقوق والحريات. ومن بين أهم مؤشرات هذه الهيبة قدرة الدولة على ضمان استمرارية المرافق العمومية، وفي مقدمتها مرفق العدالة، الذي يشكل الضامن الأول لحقوق الأفراد وحماية الأمن القانوني والقضائي ومصالح المواطنين.

لا جدال في أن للمحامين، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من منظومة العدالة، الحق في الدفاع عن مصالح مهنتهم والتعبير عن مواقفهم وفق ما يكفله الدستور والقانون. غير أن ممارسة هذا الحق لا ينبغي أن تؤدي إلى شلل مرفق العدالة أو إلى الإضرار بحقوق المتقاضين وتعطيل مصالحهم والإخلال بتعاقدهم مع المواطن، لأن حق الدفاع حق أصيل لا ينفصل عن حق المواطن في الولوج إلى القضاء داخل أجل معقول.

وإذا كان مشروع قانون مهنة المحاماة قد استكمل مساره التشريعي وأحيل إلى المحكمة الدستورية لممارسة اختصاصها في الرقابة على دستوريته، فإن منطق دولة المؤسسات يقتضي احترام هذا المسار وانتظار القرار الذي ستصدره الجهة الدستورية المختصة. فالاحتكام إلى المؤسسات هو جوهر دولة القانون، ولا يجوز أن يحل محله منطق تعطيل المرافق العامة أو فرض الأمر الواقع فالدولة أكبر من جسم مهني خاص.

غير أن استمرار تعطيل مرفق العدالة لا يقتصر أثره على تأجيل الجلسات، بل يمتد إلى المساس بحقوق المتقاضين، وإطالة أمد النزاعات، وتأخير البت في ملفات المعتقلين، وإضعاف ثقة المواطنين في العدالة، كما يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين الذين يبحثون عن قضاء فعال وسريع يحمي الحقوق والعقود ويضمن الأمن القضائي.

وفي مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن تبقى الدولة في موقع المتفرج. فالدستور لا يخولها فقط حماية الحقوق والحريات، بل يحملها أيضًا مسؤولية ضمان السير العادي للمرافق العمومية. ومن ثم، فإن عليها أن تفعل، كلما اقتضى الأمر، الآليات القانونية والمؤسساتية المتاحة لإعادة انتظام مرفق العدالة، سواء عبر الحوار المؤسسي، أو الوساطة، أو اللجوء إلى القضاء عند الاقتضاء، أو تفعيل المقتضيات القانونية المنظمة للمهنة، متى توفرت شروطها القانونية، بما فيه التغريم ومحاسبة كل من يخلّ بالقانون مع احترام مبادئ الشرعية والتناسب والحقوق المكفولة للجميع.

إن قوة الدولة لا تقاس بمدى استعمالها للسلطة، وإنما بقدرتها على فرض احترام القانون وصيانة هيبة الدولة وصورتها بواسطة القانون نفسه. فلا أحد فوق المؤسسات الدستورية، ولا ينبغي لأي خلاف مهني، مهما كانت أهميته، أن يؤدي إلى تعطيل مرفق يمس يوميًا حقوق آلاف المواطنين.

إن الحفاظ على هيبة الدولة يقتضي التوفيق بين حماية استقلال مهنة المحاماة وضمان استمرارية مرفق العدالة. فكلما طال أمد الأزمة، اتسعت دائرة المتضررين، وازدادت كلفتها على المتقاضين والاقتصاد الوطني والثقة في المؤسسات.

ويبقى المخرج الحقيقي هو الاحتكام إلى الدستور، واحترام قرارات المؤسسات المختصة، وتغليب المصلحة العامة على كل اعتبار آخر. فدولة الحق والقانون لا تقوم فقط على حماية الحقوق، بل أيضًا على ضمان ألا تتحول هذه الحقوق إلى سبب لتعطيل حقوق الآخرين أو المساس باستمرار المرافق العمومية التي تقوم عليها العدالة وهيبة الدولة.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x