لماذا وإلى أين ؟

هل يعكس ارتفاع التسلل إلى سبتة المحتلة أزمة سياسية جديدة بين المغرب وإسبانيا؟ .. البجوقي يجيب

أعلنت السلطات المحلية بمدينة سبتة المحتلة حالة الطوارئ، عقب تدفق مئات المهاجرين أغلبهم قاصرون، في عمليات تسلل جماعية عبر البحر، مستغلين الظروف الجوية الملائمة خلال فصل الصيف للوصول سباحة إلى الثغر، في تطورات أعادت ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش بين المغرب وإسبانيا.

وبحسب معطيات صادرة عن الحكومة المحلية بسبتة، فإن أعداد الوافدين خلال الفترة الأخيرة قاربت ألف شخص، وهو رقم يضع السلطات المغربية ونظيرتها الإسبانية أمام ضغوط متزايدة، خاصة في ظل ارتفاع عدد القاصرين الذين تمكنوا من الوصول إلى المدينة عبر المسار البحري.

وفي خضم الارتفاع المفاجئ في أعداد القاصرين المتسللين لسبتة المحتلة، يطرح متابعون أسئلة حول الأسباب التي قد تكون بشكل مباشر أو غير مباشر ممن وراء هذا الارتفاع، وما إذا كان للأمر علاقة بالتحركات الإسبانية الأخيرة من وزيارة سانشير للجزائر وقانون الجنسية للصحراويين والتقارب الجزائري الإسباني، أو ما إذا كان الأمر يتعلق بتدهور محتمل للعلاقات الإسبانية المغربية، أم أن الأمر لا يعدو كونه صدفة وتحسن للأحوال الجوية سهّل عمليات السباحة التي يقوم بها هؤلاء القاصرون.

ولمحاولة إيجاد تصور شمولي حول الموضوع، توصلت “آشكاين” مع عبد الحميد البجوقي، الباحث المغربي المختص في الشأن الإسباني، والذي أكد أنه “لا يرى هناك مؤشرات تدل على أن هذا الارتفاع يرتبط بتدهور في العلاقات المغربية الإسبانية. على العكس، لا يبدو أن هناك في الأفق ما يوحي بوجود أزمة سياسية بين البلدين، خاصة إذا نظرنا إلى مستوى التعاون القائم في الملفات الاستراتيجية، سواء في مجالات الأمن أو الهجرة أو الاقتصاد أو مكافحة الإرهاب.

عبد الحميد البجوقي

وأضاف البجوقي أنه “مع ذلك، لا يمكن إغفال أن ملف سبتة ومليلية يظل من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العلاقات الثنائية. صحيح أنه ليس اليوم على رأس أولويات الأجندة السياسية لدى الرباط أو مدريد، لكن الطرفين يُدركان أنه ملف عالق تاريخياً، وأن أي تطور أو سوء فهم أو قرار أحادي قد يترك بعض الارتدادات الميدانية أو الإعلامية”.

ومن جانب آخر قال المتحدث، أن “الربط المباشر بين ارتفاع محاولات التسلل وبين وجود ضغوط سياسية متبادلة، فلا توجد في الوقت الحالي معطيات موضوعية تسمح بالجزم بذلك. وقد تكون هناك تفسيرات أخرى مُرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، أو بحركية شبكات الهجرة غير النظامية، أو بعوامل موسمية، دون استبعاد أن تظل مثل هذه الفرضيات محل نقاش وتحليل ما دامت لا تستند إلى أدلة قاطعة”.

وفيما يتعلق بقانون الجنسية للصحراويين ووجود أي علاقة محتملة بينه وبين انتعاش محاولات التسلل لسبتة، قال البجوقي أنه “يعتقد أن من المهم أولاً تصحيح نقطة قانونية تتكرر كثيراً في النقاش العام. المسألة لا تتعلق بقانون جديد يمنح الجنسية للصحراويين، وإنما تعود إلى مرسوم صدر في سياق انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1975. ذلك المرسوم ارتبط بالوضع القانوني لسكان الصحراء الذين كانوا يولدون في الإقليم خلال فترة الإدارة الإسبانية، إذ كانت إسبانيا تعتبر الصحراء آنذاك جزءاً من أراضيها، وكان سكانها يحملون وضعاً قانونياً خاصاً يختلف عن أوضاع سكان مستعمرات إسبانية أخرى، حتى إن عدداً من الشخصيات الصحراوية كان ممثلاً في مؤسسات الدولة الإسبانية، بما فيها برلمان فرانكو”.

واسترسل المعني إلى أن “الربط بين هذا الملف وبين التقارب الإسباني الجزائري أو ارتفاع محاولات التسلل إلى سبتة، فهو يبقى في حدود الخيال السياسي ولا توجد معطيات كافية تسمح باعتباره علاقة سببية مباشرة. صحيح أن بعض المراقبين يطرحون فرضيات حول تداخل هذه الملفات في سياق التوازنات الإقليمية، لكن من الصعب بناء استنتاجات حاسمة دون مؤشرات واضحة.
لذلك، أرى أن القراءة الأكثر توازناً هي التعامل مع كل ملف في سياقه الخاص، مع الإقرار بأن العلاقات المغربية الإسبانية تظل علاقات مُعقدة بطبيعتها، تجمع بين شراكة استراتيجية واسعة وبين ملفات تاريخية حساسة قد تظهر انعكاساتها من حين إلى آخر، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود أزمة أو تغيير جوهري في مسار العلاقات الثنائية”.

كما أشار البجوقي إلى أن “هذه التدفقات جاءت بعد انتهاء مشروع تسوية وضعية المهاجرين، وحتى إن كان بعض الوافدين قد وصلوا خلال فترة تنفيذ المشروع، فإنهم لا يستوفون شروط الاستفادة منه، باعتبار أن التسوية تشترط وجود المعنيين قبل انطلاقها”.

وأضاف البجوقي أن “العدد الكبير من القاصرين المتسللين إلى سبتة المحتلة قد يشير إلى وجود شبكات تساعدهم على الوصول إلى المدينة، مشددا على أن هؤلاء لا يستفيدون من إجراءات التسوية، بل يحتاجون إلى حماية مباشرة من الدولة، كما أن وضعهم القانوني يجعل ترحيلهم أمرا غير ممكن”.

وأشار الباحث المغربي إلى أن “الظروف المناخية وطبيعة البحر خلال فصل الصيف تسهل عمليات السباحة نحو سبتة المحتلة، خصوصا أن المنطقة البحرية المفتوحة بين الفنيدق والثغر المحتل تجعل مراقبة جميع محاولات العبور وضبط تدفقات المهاجرين مهمة معقدة جدا”.

وبخصوص دور المراقبة الحدودية، أوضح البجوقي أن ما وصفه بـ”الارتخاء” قد يحدث أحيانا من الجانب المغربي، مبرزا أن تشديد المراقبة يؤدي عادة إلى تراجع كبير في محاولات التسلل، بينما قد ترتفع هذه المحاولات خلال فترات تقل فيها درجة اليقظة.

وأكد المتحدث أن هذا الارتخاء لا يرتبط بالضرورة بخلفيات سياسية أو بقرار متعمد، بل قد يكون نتيجة إرهاق عناصر حماية الحدود بعد فترات طويلة من العمل المتواصل وتشديد المراقبة، في وقت تظل فيه مواجهة الهجرة غير النظامية رهينة بعوامل أمنية وبشرية ومناخية متداخلة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x