2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
د.صلاح الدين لحسيني
تتحول صفحات الفيسبوك وقنوات اليوتيوب، في كثير من الأحيان، إلى محاكم بديلة تصدر أحكاماً قاطعة بالإدانة بمجرد توقيف شخص على ذمة التحقيق، ذلك أن نشر صور المشتبه بهم وكشف هوياتهم الكاملة وعرضهم أمام الرأي العام في صورة “المجرمين” قبل أن تقول العدالة كلمتها، لا يمثل مجرد تجاوز مهني، بل هو انتهاك جسيم لمنظومة حقوق الإنسان وضوابط القانون الجنائي.
وتنص المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الحادية عشرة، والعهود الدولية، وكذا الدساتير الوطنية الحديثة، على مبدأ كوني ثابت مفاده أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بموجب محاكمة عادلة تؤمَّن له فيها ضمانات الدفاع. فحين تقوم صفحة على فيسبوك أو قناة على يوتيوب بنشر وجه المشتبه به، فإنها تهدم “قرينة البراءة” بضربة زر، إذ لا تنقل هذه المنصات الخبر، بل تصنع “حكماً مسبقاً” في ذهن المجتمع، مما يجعل تبرئة المتهم لاحقاً من قبل القضاء بلا قيمة فعلية أمام “محكمة الرأي العام” التي لا ترحم.
ولكل فرد الحق في حماية صورته وحياته الخاصة، وتوقيف شخص من طرف السلطات الأمنية لا يجرّده من هذا الحق الدستوري. ونشر ملامح الوجه دون إذن صاحبها، أو دون مسوغ قانوني صريح يفرضه القضاء كحالات البحث عن فارين خطيرين، يعد جريمة تشهير مكتملة الأركان. وهذا السلوك يتجاوز المشتبه به ليصل إلى عائلته وأطفاله، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة “عقاب اجتماعي” ووصمة عار لا ذنب لهم فيها.
ولهذا الادعاء المسبق الذي تروجه صفحات الفيسبوك وقنوات اليوتيوب آثار كارثية، فمن جهة، تصعب إعادة الإدماج حتى في حال صدور حكم بالبراءة أو حفظ القضية، ذلك أن المقاطع والصور تظل متداولة على هذه المنصات، مما يحرم الشخص من فرصة ممارسة حياته أو الحصول على عمل. ومن جهة أخرى، فإن الضغط الشعبوي الناتج عن انتشار صور المشتبه بهم على هذه الصفحات والقنوات قد يشكل ضغطاً غير مباشر على مجريات التحقيق والمحاكمة. ومن جهة ثالثة، فإن تحريض المجتمع ضد شخص لم تثبت إدانته قد يدفع البعض إلى تطبيق “العدالة بأيديهم” انتقاماً، مما يهدد الأمن والنظام العام.
وإن حرية التعبير ليست حقاً مطلقاً، بل تنتهي حيث تبدأ حقوق الآخرين وحرياتهم، ومن ثم تقع على عاتق أصحاب هذه الصفحات والقنوات الرقمية مسؤولية مدنية وجنائية عن أفعال التشهير، فالقانون يعاقب على نشر وبث صور الأشخاص دون موافقتهم، وتتضاعف العقوبة إذا كان النشر يربط الشخص بجريمة لم يفصل فيها القضاء بعد.
وإن مكافحة الجريمة وإخبار الرأي العام واجبان مهنيان لا يختلف عليهما اثنان، غير أن ذلك لا يسوّغ التفريط في كرامة الإنسان. ولذلك يبقى من المستحسن أن تلتزم صفحات الفيسبوك وقنوات اليوتيوب بحد أدنى من الضوابط الأخلاقية والقانونية، من قبيل تجهيل هوية المشتبه به، وتغطية ملامح وجهه، واعتماد صيغ حذرة مثل “المشتبه به” أو “المتهم المفترض”، ذلك أن العدالة مكانها قاعات المحاكم لا صفحات التواصل الاجتماعي.
أستاذ جامعي في القانون الخاص