2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
الترحال السياسي: مقاربة قانونية وسياسية
يوسف مداني
لم يعد الترحال السياسي مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل أصبح إشكالاً قانونياً وديمقراطياً و حقوقيا حقيقياً، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عنه من تغيير في موازين القوى داخل المؤسسات المنتخبة، دون الرجوع إلى الناخبين ودون إجراء انتخابات جديدة. من هذا المنطلق يعود النقاش القانوني و الحقوقي و أيضا النقاش المجتمعي كلما أقدم منتخبون، بعد حصولهم على ثقة الناخبين، على تغيير انتمائهم الحزبي أو السياسي عند اقتراب كل استحقاقات انتخابية سواء تعلق الأمر بالانتخابات البرلمانية أو انتخابات الجماعات الترابية . فهل يتعلق الأمر بمجرد ممارسة مشروعة لحرية القناعة السياسية، أم بسلوك يمكن أن يؤدي إلى تغيير موازين القوى التي أفرزتها صناديق الاقتراع.
لا شك أن المنتخب، شأنه شأن أي مواطن، يملك الحق في تغيير مواقفه وقناعاته السياسية. لكن هل يصل المنتخب إلى المؤسسة المنتخبة بصفته الشخصية فقط. أم أن الحزب الذي ترشح باسمه، وبرنامجه، ومشروعه السياسي، كانت أيضاً عناصر ساهمت في حصوله على ثقة الناخبين. فمما لاشك فيه أن العملية الانتخابية دائما كانت تقوم على التنافس و الصراع بين الأحزاب السياسية و برامجها و توجهها السياسي و الإيديولوجي. أو على الأقل هذا هو المفترض أن يكون في العملية السياسية. لكننا أصبحنا في الآونة الأخيرة نلاحظ ظهور ما أصبح يطلق عليه إعلاميا “ظاهرة الأعيان الانتخابية”. يحث أصبحت الأحزاب السياسية هي من تنتقل إلى البحث و استقطاب المنتخبين الذين لهم القدرة على الضفر بمقعد برلماني.
لذلك قد حاول المشرع المغربي مواجهة هذه الظاهرة من خلال المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، التي ترتب على تخلي المنتخب عن الانتماء للحزب الذي ترشح باسمه جزاء التجريد من العضوية. ويقوم هذا المقتضى على فكرة مفادها أن المنتخب لا يستمد انتدابه دائماً من شخصه فقط، وإنما قد يكون الانتماء السياسي أو الحزبي الذي ترشح باسمه أحد العناصر التي ساهمت في حصوله على ثقة الناخبين.
لكن في الحقيقة هناك اشكالية حقيقة اخرى لم تتناولها المادة 20 من قانون الاحزاب السياسية، ذلك أن التجريد من العضوية وحده لم يعد وحده كافيا لمواجهة هذه الظاهرة . هذا بالضبط ما كشفته كمية الترحال السياسي مؤخرا بين أحزاب سياسية متباعدة فيما بينها لا من حيث المرجعيات و لا حيث التوجه السياسي و الاديولوجي. فالأمرلا يتعلق هنا بمجرد تغيير فردي في القناعة السياسية، إذ إن حرية الرأي والانتماء السياسي تظل من الحقوق الأساسية التي لا يمكن مصادرتها بحكم الدستور. وإنما يطرح الإشكال عندما يتحول تغيير الانتماء السياسي إلى وسيلة للاحتفاظ بانتداب انتخابي تم الحصول عليه بفضل ثقة الناخبين في إطار سياسي وحزبي معين، ثم توظيف ذلك الانتداب لفائدة انتماء سياسي آخر.
لذلك أظن أنه حان الوقت أن يقوم المشرع بإعادة النظر في صياغة المادة 20 من قانون الاحزاب السياسية من خلال مقاربة أكثر توازنا تعطي للمنتخب الحق و الحرية في تغيير انتمائه السياسي، لكنه لا ينبغي أن يستفيد مباشرة من انتداب انتخابي جديد بعد أن يكون قد تخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه. وبعبارة أخرى يترتب عن تخليه الإرادي عن انتمائه السياسي عدم أهليته للترشح لأي مهمة انتدابية خلال الاستحقاق الانتخابي الموالي.
إن هذا الحل لا يصادر حرية القناعة السياسية، ولا يجبر المنتخب على البقاء في حزب لم يعد مقتنعاً به، لكنه في المقابل، يضع حداً للاستفادة السياسية المباشرة من الانتداب بعد تغيير الانتماء الذي ساهم في الوصول إليه.
وبطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار كل خلاف مع الحزب أو كل تغيير في المواقف ترحالاً سياسياً. كما ينبغي استثناء حالات الطرد، والاندماج، والانقسام، والحل، وإعادة الهيكلة القانونية للحزب، وكل حالة لا يكون فيها تغيير الانتماء ناتجاً عن إرادة حرة للمنتخب
إن المطلوب، إذن، ليس منع السياسي من تغيير قناعته، وإنما إعادة النظر في الأثر القانوني والسياسي لهذا التغيير.
إن الديمقراطية لا تعني فقط حماية حرية المنتخب، بل تعني أيضاً احترام الإرادة التي عبر عنها الناخبون. ولذلك، فإن مكافحة الترحال السياسي لا ينبغي أن تكون معركة ضد حرية القناعة، وإنما بحثاً عن توازن بين حق المنتخب في تغيير انتمائه السياسي، وحق الناخب في ألا يعاد تشكيل اختياره خارج صناديق الاقتراع. و هنا يبدو واضحا أن كل الأحزاب السياسية أصبحت تعاني من هذه الظاهرة، مما يؤدي بالنتيجة إلى فقدان الثقة في العملية السياسية برمتها و العزوف عن المشاركة في الانتخابات، وهذا بالضبط ما أكدته الارقام الاخيرة التي أعلنتها وزارة الداخلية في اجتماعها الأخير مع قيادات الأحزاب و التي عكست كمية العزوف الكبيرة عن التسجيل في اللوائح الانتخابية رغم فتح التسجيل مرتين و تمديده.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.