2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
كشفت المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط خلال العقد الأخير عن “مفارقة غريبة”، والتي مفادها أن ارتفاع النمو الاقتصادي في المغرب لا ينعكس بالضرورة على سوق الشغل، إذ ظل معدل البطالة في مستويات مرتفعة رغم تسجيل الاقتصاد الوطني فترات نمو مهمة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا النمو ومدى قدرته على خلق فرص عمل مستدامة.
وتظهر الأرقام الرسمية أن معدل النمو عرف تقلبات كبيرة منذ سنة 2015، حيث انتقل من مستويات متوسطة قبل أن يسجل انكماشاً تاريخياً بنسبة 7.2% سنة 2020 بسبب تداعيات جائحة كورونا، ثم انتعش بقوة إلى 8% سنة 2021، ليستقر بعد ذلك عند 1.5% سنة 2022، و3.4% سنة 2023، و4.4% سنة 2024، قبل أن يبلغ 4.9% سنة 2025.
ورغم هذا التحسن، لم تعرف البطالة المسار نفسه، فقد بلغ معدلها 9.7% سنة 2015، قبل أن ينخفض تدريجياً إلى 9.2% سنة 2019، ثم ارتفع إلى 11.9% سنة 2020، و12.3% سنة 2021، ليستقر عند 11.8% سنة 2022، قبل أن يصعد إلى 13% سنة 2023 و13.3% سنة 2024، ثم يتراجع بشكل طفيف إلى 13% سنة 2025.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي، نجيب بوليف، أن الإشكال لا يرتبط فقط بمعدل النمو، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، موضحاً أن المغرب يواجه “إشكالاً منهجياً في طريقة تدبير الاقتصاد”.
وقال بوليف، في تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، “عندما نكون أمام اقتصاد ريعي لا يعتمد على التنافسية وعلى الإنتاجية ولا يعتمد على الاستثمار الخاص وعلى مجموعة من الإشارات الأساسية في المجال الماكرو اقتصادي، فحتى لو تم تحقيق النمو فهو لا تكون له تبعات على الصعيد الاجتماعي عموماً من خلال عدم توزيع الثروة بالطريقة العادلة”.
وأوضح الوزير السابق المكلف بالشؤون العامة والحكامة أن جزءاً من المشكلة يرتبط بطريقة توزيع عوائد الاستثمار، مشيراً إلى أن “الاستثمار في رأس المال هو الذي يأخذ الحصة الأكبر من الربح، بينما الاستثمار الذي يعتمد على الشغل واليد العاملة لا يأخذ حصته الضرورية في مجال الربح”.
ويرى بوليف أن طبيعة الاستثمارات المنجزة خلال السنوات الماضية تفسر جزئياً محدودية تأثير النمو على التشغيل، قائلاً إن “الإشكال الثاني هو أننا نقوم بالنمو في الاستثمارات التي تتوجه أساساً للبنيات من طرقات وسكك حديدية وموانئ، وهذه ليست مذرة لمناصب الشغل وتنتجها لفترات محدودة”.
وأضاف بوليف أن تركيبة الاستثمار الوطني تشكل عاملاً حاسماً في هذه المعادلة، موضحاً أن “60 إلى 65 في المائة من الاستثمارات في المشاريع الضخمة هي استثمارات عمومية”، مشيراً إلى أن “الاستثمارات العمومية لا تكون موجهة للقطاعات الخدماتية التي تنتج مناصب الشغل”.
وبحسب المتحدث نفسه، فإن استمرار هذا الوضع يجعل أثر النمو محدوداً على فئات معينة، مؤكداً أن “رغم ارتفاع معدل النمو فإنه يبقى محدوداً على فئات معينة، وهنا هو الإشكال”.
وتتجلى هذه المفارقة بشكل أكبر لدى الفئات الأكثر هشاشة في سوق الشغل، إذ بلغت البطالة سنة 2025 حوالي 37.2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة، و20.5% لدى النساء، و19.1% لدى حاملي الشهادات، ما يعكس استمرار صعوبة إدماج الوافدين الجدد إلى سوق العمل.
ودعا بوليف إلى مراجعة النموذج الاقتصادي المعتمد، معتبراً أن المنظومة المغربية مطالبة بـ”تغيير البراديغم الذي تعتمده، والانتقال من اقتصاد يعتمد أساساً على البنيات التحتية والريع وعدم التنافسية إلى اقتصاد منفتح على القطاع العام وعلى القطاع الخاص بالضرورة”.
وأشار بوليف إلى أن المقاولات الصغرى والمتوسطة تمثل مفتاحاً أساسياً لمعالجة إشكالية التشغيل، موضحاً أن “98 في المائة من المقاولات المغربية هي مقاولات صغرى ومتوسطة، وهي التي تخلق مناصب الشغل، لكنها تعاني من إشكالات بنيوية وهيكلية، سواء المرتبطة بطرق تمويلها، أو صعوبة وصولها إلى السيولة، أو طريقة تضريبها وحصتها في سوق الصفقات العمومية”.
ونبه بوليف إلى أن معالجة معضلة التشغيل تتطلب دعماً مؤسساتياً أكبر لهذه الفئة من المقاولات، محذراً من أن المغرب “سيبقى يدور في هذا الإشكال إلى ما لا نهاية إذا لم يبحث عن حل ويخلق مؤسسة أو وزارة للمقاولات الصغرى والمتوسطة لتساهم معها في مجال التمويل وتدعمها”.
وتشير تجربة العقد الأخير إلى أن تحقيق نسب نمو مرتفعة لا يكفي وحده لتقليص البطالة، إذ يبقى التحدي الأساسي مرتبطاً بجودة واتجاهات النمو، وقدرته على توجيه الاستثمار نحو القطاعات الأكثر تشغيلاً، وتحويل النشاط الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية ومستدامة.