لماذا وإلى أين ؟

من هي ”الحاجة صباح” التي فتحت منزلها لمهاجري سبتة؟

“الحاجة صباح أعطتني كل شيء.. لم يكن لدي سوى شورت وتيشورت، ولم يكن لدي حذاء. وفرت لي اللباس والحمام والأكل، خيرها لن أنساه ما حييت”. بهذه الكلمات يلخص أحد المهاجرين المغاربة الواصلين إلى سبتة مؤخراً قصة امرأة تحولت، في خضم أزمة إنسانية، إلى عنوان للتضامن والعطاء، مستحضراً صورة الراهبة المسيحية “الأم تريزا” التي كرست حياتها لخدمة الفقراء والمحتاجين.

مهاجرة أخرى تنحدر من مدينة تطوان أكدت أن أسرتها لم تطمئن على سلامتها إلا بعد أن أخبرتهم بأنها تقيم في منزل “صباح السبتاوية”. وقالت: “اليوم أسرتي اطمأنت علي بعدما علمت أنني أقيم عند الحاجة صباح. إنها معروفة في تطوان والنواحي، وأنا ابنة تطوان، وسبق لنا أن سمعنا بالعمل الذي تقوم به”.

إنها صباح، المعروفة في سبتة والمنطقة بلقب “الحاجة صباح السبتاوية”، المرأة التي تحول منزلها خلال أيام الأزمة إلى ملاذ آمن للمهاجرين المغاربة، بعدما فتحت أبوابه أمام النساء والفتيات والقاصرين وكل من وجد نفسه في مواجهة الشارع والخوف والبرد.

لم تنتظر صباح تدخلاً من جهة أو مؤسسة رسمية، واختارت أن تتحرك بما تملكه، فحولت بيتها إلى فضاء للإيواء والإطعام وتقديم المساعدة. امتلأت غرف المنزل بالملابس والأحذية، وتحول المطبخ إلى ورشة يومية لإعداد الوجبات للمهاجرين الذين وجدوا أنفسهم عالقين في سبتة.

وتتكفل صباح، بمساعدة عدد من المتطوعين والمحسنين من أبناء حيها ومن سكان مناطق أخرى من المدينة، بإعداد أكثر من 250 وجبة يومياً، تشمل الفطور والغداء والعشاء، كما توفر الملابس النظيفة وأماكن للاستحمام، وتخصص غرف منزلها لحماية النساء والفتيات من مخاطر الشارع والمبيت في العراء.

وقبل أن تصبح قصتها حديث مواقع التواصل الاجتماعي، كانت صباح معروفة في سبتة بأعمالها التضامنية، بعدما سبق لها دعم نزلاء دور العجزة والمسنين. وتختصر فلسفتها في العمل الإنساني بعبارة ترددها دائماً: “مساعدة الناس واجب قبل كل شيء”.

وفي واحدة من اللقطات التي ستظل شاهدة على الأحداث التي عاشتها سبتة مؤخراً، ظهرت صباح في مقطع فيديو وهي تواجه عناصر من الشرطة الإسبانية الذين حاولوا الاستفسار عن وجود مهاجرين داخل منزلها. ولم تتراجع أمامهم، وردت قائلة: “هذه داري ومن حقي نعاونهم، وأنا كاندفع الضرائب هنا”.

وتقول صباح، في مقاطع مصورة انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إن ما دفعها للتحرك لم يكن فقط مشهد الجوع أو التعب، بل حالة الخوف التي كانت بادية على وجوه القاصرين والمهاجرين الذين وجدوا أنفسهم في مدينة لا يعرفون فيها إلى أين يتوجهون.

وتستعيد صباح تفاصيل الأيام الأولى للأزمة، عندما أعدت 28 كيلوغراماً من المعكرونة ووزعتها على المهاجرين المنتشرين في أحياء المدينة، قبل أن تتوسع مبادرتها لتشمل مئات الأشخاص.

ورغم اختلاف السياقات والمسارات، تستحضر قصة الحاجة صباح صورة الشخصيات الإنسانية التي جعلت من مساعدة الآخرين رسالة حياة، مثل “الأم تريزا”، ليس من حيث المسار أو المكانة التاريخية، بل من حيث الإصرار على الوقوف إلى جانب الفئات الهشة في لحظات الشدة.

وفي مدينة عاشت على وقع أزمة هجرة غير مسبوقة، اختارت صباح أن تجعل من منزلها مساحة للأمان بدل أن يكون مجرد مكان للسكن. وبينما يبحث كثيرون عن حلول للأزمات الكبرى، اختارت هي حلاً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: أن تفتح باب بيتها في وجه المحتاجين.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x