2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
د. مصطفى الغاشي
(توضيح لابد منه)
ان المعطيات المتداولة في منشور مؤشر النزاهة البحثية 2025، تستند بالفعل إلى مؤشر RI² (Research Integrity Risk Index) الذي طوّره البروفيسور لقمان محّو (Lokman I. Meho) في الجامعة الأميركية في بيروت، وهو مؤشر حديث يهدف إلى قياس مخاطر النزاهة البحثية على مستوى المؤسسات الجامعية، وليس إلى قياس الجودة الأكاديمية أو التميز العلمي بشكل مباشر. لكن ينبغي التعامل مع هذه النتائج بحذر شديد، وذلك لعدة أسباب منها ان المؤشر لا يتهم الجامعات بارتكاب مخالفات علمية. بل يقيس مؤشرات إحصائية قد تدل على ارتفاع مستوى المخاطر، مثل:
نشر أبحاث في مجلات أُزيلت من قواعد البيانات أو توصف بأنها منخفضة الجودة. وجود أبحاث سُحبت (Retractions). وأنماط استشهاد أو نشر قد تستدعي المراجعة. كما ان صاحب المؤشر نفسه يؤكد أن RI² هو أداة إنذار مبكر (Early Warning Tool)، وليس حكماً نهائياً على نزاهة مؤسسة أو باحث، ولا يثبت وجود غش أو تزوير علمي.
ان وجود جامعة في فئة “خطر مرتفع” لا يعني أن جميع أبحاثها غير نزيهة، وإنما يعني أن المؤشرات الإحصائية الخاصة بها تختلف عن المعدلات العالمية بصورة تستحق الدراسة والتحقيق المؤسسي. فماذا تعني هذه النتائج بالنسبة للمغرب؟
إذا كانت البيانات الواردة في المؤشر صحيحة ومحدثة، فهي تستدعي نقاشاً وطنياً جاداً حول:
1- سياسات الترقية العلمية التي قد تشجع على الكم أكثر من الجودة.
2- انتشار النشر في المجلات المفترسة.
3- ضعف التكوين في أخلاقيات البحث العلمي.
4- الحاجة إلى مكاتب للنزاهة العلمية داخل الجامعات.
5- تعزيز آليات كشف الانتحال العلمي ومراجعة جودة النشر.
وفي المقابل، لا ينبغي تحويل هذه النتائج إلى إدانة جماعية للجامعات المغربية أو للباحثين المغاربة؛ إذ تضم الجامعات المغربية آلاف الباحثين الذين ينشرون في مجلات دولية مرموقة ويلتزمون بالمعايير العلمية، كما أن أي مؤشر واحد لا يكفي لتقييم منظومة بحثية كاملة.
ورغم ذلك فان المنشور يثير قضية حقيقية تستحق الاهتمام، لكن من الضروري قراءة النتائج في إطارها المنهجي وعدم الخلط بين:
– مؤشر مخاطر النزاهة البحثية (Risk Index)،
– تصنيف جودة الجامعات أو مستوى البحث العلمي.
فالأول يقيس احتمال وجود مخاطر أو اختلالات تستوجب المراجعة، بينما الثاني يقيس الأداء الأكاديمي والبحثي وفق معايير مختلفة.
وفي التفصيل د، فلا بد من التاكيد على ان منظومة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في عدد الجامعات، ووحدات البحث، ومخرجات النشر العلمي، كما تحسن حضور الجامعات المغربية في عدد من التصنيفات الدولية. غير أن هذا التوسع الكمي ترافق مع بروز أسئلة جوهرية حول جودة الإنتاج العلمي، وأخلاقيات البحث، ومدى احترام معايير النزاهة الأكاديمية.
وفي هذا السياق، أثار صدور النسخة المحدثة لسنة 2025 من مؤشر RI² (Research Integrity Risk Index) اهتماماً واسعاً، بعدما صنف عدداً من الجامعات المغربية ضمن فئات “الخطر المرتفع” و”الخطر المرتفع جداً” فيما يتعلق بمخاطر النزاهة البحثية. وقد فتح هذا التصنيف نقاشاً كبيرا حول واقع البحث العلمي في المغرب، لكنه في الوقت نفسه يفرض قراءة علمية متأنية بعيداً عن التهويل أو التهوين.
أولاً: ما هو مؤشر RI²؟ يختلف مؤشر RI² عن التصنيفات الجامعية التقليدية مثل تصنيفات QS أو Times Higher Education أو Shanghai Ranking. فهو لا يقيس: جودة التدريس؛ والسمعة الأكاديمية؛ وحجم الإنتاج العلمي؛ وقابلية تشغيل الخريجين، بل يقيس مستوى المخاطر المرتبطة بالنزاهة البحثية اعتماداً على مؤشرات كمية، من بينها:
1- نسبة الأبحاث المسحوبة (Retractions).
2- حجم النشر في المجلات المفهرسة أو المجلات التي حُذفت من قواعد البيانات الدولية.
3- المؤشرات المرتبطة بسلوك النشر العلمي.
وبالتالي فهو مؤشر للمخاطر وليس مؤشراً للإدانة.
ثانياً: ماذا تقول نتائج الجامعات المغربية؟ تشير النتائج المتداولة إلى أن الجامعات المغربية لم تدخل ضمن الفئات ذات المخاطر المنخفضة، وهو معطى يستحق الوقوف عنده. وإذا صحّت هذه النتائج، فإنها تعني وجود اختلالات بنيوية ينبغي معالجتها، لكنها لا تعني أن الجامعات المغربية مؤسسات فاقدة للنزاهة أو أن جميع الباحثين يمارسون سلوكيات غير أخلاقية.
فالجامعات المغربية تضم آلاف الباحثين الذين ينشرون في أرقى المجلات العلمية العالمية، ويشاركون في مشاريع بحثية دولية مرموقة.
ثالثاً: لماذا ارتفعت مؤشرات المخاطر؟ يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل متداخلة فيما بينها،
1. ضغط الترقية الأكاديمية، حيث يعتمد جزء مهم من نظام الترقيات على عدد المنشورات أكثر من أثرها العلمي. وهذا يدفع بعض الباحثين إلى البحث عن أسرع طرق النشر.
2. انتشار المجلات المفترسة، حيث أصبحت المجلات المفترسة صناعة عالمية تدر ملايين الدولارات. وتستهدف الباحثين عبر: القبول السريع للمقالات، تحكيم شكلي، رسوم نشر مرتفعة، ووعود بإدراج دولي. ويقع فيها باحثون من مختلف دول العالم، وليس من المغرب فقط.
3. ضعف التكوين في أخلاقيات البحث، حيث لا تزال العديد من مؤسسات التعليم العالي لا توفر تكويناً إلزامياً في أخلاقيات البحث، والنزاهة الأكاديمية، وإدارة البيانات، والملكية الفكرية، وكذا تضارب المصالح.
4. محدودية التمويل، فحين يكون التمويل ضعيفاً، يصبح الباحث أكثر عرضة لضغوط الإنتاج السريع على حساب الجودة.
5. غياب مكاتب مستقلة للنزاهة العلمية، اذ في عدد كبير من الجامعات العالمية توجد وحدات مستقلة للتحقيق في الانتحال، والتلاعب بالبيانات، والتزوير، وتضارب المصالح. ولا تزال هذه الثقافة في المغرب بحاجة إلى مزيد من التأطير المؤسسي.
رابعاً: حدود المؤشر، انه رغم أهمية RI²، فإنه ليس خالياً من القيود المنهجية، ومن أبرزها الاعتماد على قواعد بيانات قد لا تغطي جميع التخصصات بالتساوي، اختلاف أنماط النشر بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية، احتمال تأثر النتائج بحجم الجامعة وعدد الباحثين. وكذلك، عدم الأخذ بعين الاعتبار السياسات الإصلاحية الحديثة التي قد تكون بدأت تؤتي ثمارها. ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره أداة للتنبيه والتحسين، لا وسيلة لإصدار أحكام نهائية.
خامساً: ماذا ينبغي أن تفعل الجامعات المغربية؟ انه إذا أرادت الجامعات المغربية تحويل هذه النتائج إلى فرصة للإصلاح، فإن الأولويات تتمثل في:
1- مراجعة نظام الترقيات، مع إعطاء وزن أكبر لجودة البحث وتأثيره.
2- إحداث مكاتب للنزاهة البحثية داخل كل جامعة.
3- فرض تكوين إلزامي في أخلاقيات البحث العلمي لجميع طلبة الدكتوراه والباحثين الجدد.
4- اعتماد برامج متقدمة لكشف الانتحال العلمي ومراقبة جودة النشر.
5- إعداد قوائم وطنية استرشادية للمجلات العلمية الموثوقة، وتوعية الباحثين بمخاطر المجلات المفترسة.
6- تشجيع النشر في المجلات المحكمة ذات السمعة الدولية، حتى وإن تطلب ذلك زمناً أطول.
إن قراءة نتائج الجامعات المغربية في مؤشر RI² لا تكتمل إلا بوضعها في سياقها الإقليمي والدولي، لأن قضايا النزاهة البحثية ليست مشكلة مغربية خالصة، وإنما أصبحت إحدى أبرز التحديات التي تواجه منظومة البحث العلمي عالمياً. فخلال العقد الأخير، شهد العالم ارتفاعاً ملحوظاً في سحب المقالات العلمية (Retractions)، وانتشار المجلات المفترسة، وتكاثر شبكات بيع الأبحاث العلمية (Paper Mills)، والتلاعب بالتحكيم العلمي، واستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة غير أخلاقية في إعداد المقالات.
ولهذا أنشأت جامعات عديدة وحدات مستقلة للنزاهة البحثية، وأصبحت مؤشرات النزاهة جزءاً من تقييم الأداء المؤسسي.
أولاً: الجامعات العربية، تكشف المؤشرات الدولية أن عدداً من الجامعات العربية، سواء في المشرق أو الخليج أو شمال إفريقيا، يواجه تحديات مشابهة، وإن بدرجات متفاوتة. ومن أبرز العوامل المشتركة:
1- الاعتماد الكبير على عدد المنشورات في الترقية.
2- ضعف التكوين في أخلاقيات البحث.
3- التوسع السريع في برامج الدكتوراه.
4- محدودية التمويل المخصص للبحث العلمي في بعض الدول.
وفي المقابل، استطاعت جامعات عربية أخرى تحسين أوضاعها عبر إنشاء مكاتب للنزاهة العلمية.، اعتماد سياسات صارمة ضد الانتحال، مراقبة المجلات
المعترف بها، إدراج تكوين إلزامي في أخلاقيات البحث.
ثانياً: الجامعات الإفريقية، تواجه الجامعات الإفريقية تحديات إضافية، منها: ضعف التمويل، محدودية المختبرات، قلة قواعد البيانات العلمية، وهجرة الكفاءات.
وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى لجوء بعض الباحثين إلى مجلات منخفضة الجودة سعياً إلى تحقيق شروط الترقية أو التخرج.
ومع ذلك، نجحت جامعات في جنوب إفريقيا، ورواندا، وبعض الجامعات في كينيا وغانا، في بناء سياسات مؤسساتية قوية للنزاهة البحثية، مما انعكس إيجاباً على سمعتها الدولية.
ثالثاً: الجامعات الأوروبية والأمريكية، قد يعتقد البعض أن قضايا النزاهة البحثية تقتصر على الدول النامية، لكن الواقع مختلف، ففي السنوات الأخيرة شهدت جامعات مرموقة في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا سحب لآلاف المقالات العلمية، واستقالات أساتذة وباحثين بارزين، وفضائح تتعلق بتزوير البيانات، واكتشاف شبكات منظمة لإنتاج الأبحاث الوهمية.
ان الفرق الجوهري لا يكمن في غياب المخالفات، بل في وجود مؤسسات مستقلة للتحقيق، وشفافية في إعلان النتائج، وآليات واضحة للمساءلة، وثقافة مؤسساتية تعتبر الاعتراف بالأخطاء جزءاً من إصلاح المنظومة.
لم تعد النزاهة العلمية مجرد شأن أكاديمي داخلي، بل أصبحت تؤثر في:
1. سمعة الجامعة، فأي ارتفاع في عدد الأبحاث المسحوبة قد ينعكس على صورة المؤسسة لدى الشركاء الدوليين والطلبة والباحثين.
2. التمويل الدولي، فالعديد من الجهات المانحة تشترط وجود سياسات واضحة للنزاهة البحثية قبل تمويل المشاريع.
3. التصنيفات العالمية، اذ رغم أن معظم التصنيفات لا تعتمد مؤشر RI² مباشرة، فإن قضايا النزاهة قد تؤثر بصورة غير مباشرة في السمعة الأكاديمية والاستشهادات العلمية.
4. الثقة المجتمعية، فحين يفقد المجتمع ثقته في البحث العلمي، تتراجع قدرة الجامعة على أداء وظائفها في إنتاج المعرفة وتقديم الخبرة لصناع القرار.
بنلء على ما سبق، فانه بامكان المغرب أن يحول هذه المؤشرات إلى فرصة للإصلاح من خلال إطلاق استراتيجية وطنية للنزاهة البحثية، تقوم على خمسة محاور رئيسية:
أولاً: الإصلاح التشريعي، من خلال إصدار ميثاق وطني للنزاهة الأكاديمية، وتوحيد الإجراءات الخاصة بالتحقيق في المخالفات، وتحديد العقوبات والتدابير التصحيحية بوضوح.
ثانياً: الإصلاح المؤسساتي، من خلال إنشاء مكتب وطني للنزاهة البحثية، منا يقتضي: إحداث وحدات مماثلة داخل كل جامعة، نشر تقارير دورية حول مؤشرات النزاهة.
ثالثاً: الإصلاح البيداغوجي، من خلال إدراج أخلاقيات البحث العلمي كمكون إلزامي في الماستر والدكتوراه.
وتدريب الباحثين على النشر العلمي الرصين، وإدارة البيانات، والاستشهاد العلمي السليم.
رابعاً: إصلاح نظام التقييم، اذ ينبغي الانتقال من منطق “انشر أكثر” إلى منطق “انشر أفضل”، بحيث يُقيَّم الباحث وفق جودة إنتاجه وأثره العلمي، لا وفق عدد المقالات فقط.
خامساً: التعاون الدولي، اذ يمكن للجامعات المغربية الاستفادة من تجارب جامعات رائدة في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية في بناء منظومات متكاملة للنزاهة البحثية، من خلال اتفاقيات للتكوين وتبادل الخبرات.
في الختام، إن مؤشر RI² لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حكماً نهائياً على الجامعات المغربية، بل باعتباره إشارة تدعو إلى مراجعة السياسات البحثية وتعزيز ثقافة الجودة والأمانة العلمية. فالنزاهة البحثية ليست مسؤولية الباحث وحده، بل هي مسؤولية جماعية تشمل الوزارة، والجامعات، ومختبرات البحث، والمجلات العلمية، والهيئات الممولة.
إن الجامعة المغربية تقف اليوم أمام مفترق طرق: فإما أن تكتفي بردود فعل ظرفية على المؤشرات والتصنيفات، وإما أن تجعل من هذه المؤشرات منطلقاً لإصلاح هيكلي يعيد بناء الثقة في البحث العلمي ويعزز مكانة الجامعة المغربية إقليمياً ودولياً.
وفي رأيي، فإن التعامل الرصين مع هذه المؤشرات يقتضي أمرين متوازيين:
الاول، عدم التقليل من دلالاتها، لأنها قد تكشف عن اختلالات تستحق المعالجة.
والثاني، عدم المبالغة في تفسيرها، لأنها تمثل أداة قياس ذات منهجية محددة، وليست حكماً شاملاً على جودة الجامعات أو نزاهة جميع الباحثين.
وبذلك يمكن أن تتحول هذه النتائج من مصدر للجدل إلى فرصة لإطلاق إصلاحات مؤسسية تعزز جودة البحث العلمي، وترسخ ثقافة النزاهة، وتدعم تنافسية الجامعة المغربية في الفضاء الأكاديمي الدولي.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.