لماذا وإلى أين ؟

الهجرة نحو سبتة المحتلة: عندما تصبح الحدود جزءا من صناعة الرغبة في الرحيل

أنس البقالي

اعادت مشاهد توجه عدد كبير من الشباب المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة النقاش مجددا حول اسباب الهجرة، وحول مسؤولية السياسات العمومية في دفع الشباب الى المخاطرة بحياتهم من اجل الوصول الى الضفة الاخرى.

لا يمكن بطبيعة الحال انكار مسؤولية السياسات العمومية عن جزء مهم من هذا الواقع. فضعف فرص الشغل، وعدم تكافؤ الفرص، وتراجع الثقة في المؤسسات، وصعوبة الارتقاء الاجتماعي، ومحدودية قدرة المدرسة على تحقيق الادماج، كلها عوامل تجعل فئات من الشباب تشعر بان مستقبلها مغلق او مؤجل الى اجل غير معلوم.

لكن اختزال كل محاولة للهجرة في الفقر او البطالة او فشل السياسات العمومية لا يبدو، في نظري، تفسيرا كافيا. فالهجرة التي نشاهدها اليوم لم تعد دائما هجرة اقتصادية بالمعنى التقليدي، بل اصبحت في حالات كثيرة هجرة وجودية ورمزية ايضا، هجرة بحثا عن معنى اخر للحياة، وعن فضاء مختلف لاثبات الذات، وعن فرصة للانتماء الى العالم الذي يشاهده الشاب يوميا على شاشة هاتفه، لكنه لا يستطيع الوصول اليه بجسده.

نحن نعيش اليوم في عالم يقال عنه انه اصبح قرية صغيرة. فالاخبار والصور وانماط العيش والفرص تصل الينا في اللحظة نفسها التي تصل فيها الى سكان باريس ومدريد وبرلين ونيويورك. يستطيع الشاب المغربي ان يتابع الجامعات الاوروبية، واسواق العمل، والحفلات، والملاعب، والشوارع، والسفر، والتجارب المهنية والشخصية لشباب في عمره، وان يقارن حياته بحياتهم بصورة يومية ومباشرة.

غير ان هذه العولمة، التي الغت حدود المعلومة والصورة والرغبة، لم تلغ الحدود المادية لتنقل الافراد. لقد اصبح العالم مفتوحا امام العين والخيال، لكنه ظل مغلقا امام الجسد.

وهنا تتولد مفارقة حقيقية: كل شيء يخبر الشاب بانه مواطن في عالم واحد، بينما تخبره الحدود والتاشيرات بانه لا يملك الحق نفسه في الحركة داخله.

لهذا السبب ينبغي اعادة قراءة دوافع الهجرة. فالشاب الذي يحاول الوصول الى سبتة قد لا يكون بالضرورة شخصا يتضور جوعا او لا يجد مكانا ينام فيه. قد يكون طالبا او عاملا او شابا ينتمي الى اسرة متوسطة، لكنه يشعر بان تحقيق مشروعه الشخصي او المهني او حتى النفسي مرتبط بمغادرة البلد.

انه لا يهاجر دائما هربا من الفقر فقط، بل قد يهاجر هربا من الشعور بالثبات، ومن محدودية الافق، ومن الخوف من ان تمر حياته دون ان تتاح له فرصة حقيقية للتجربة والمبادرة والتغيير.

وقد تكون الحدود نفسها، في بعض الحالات، عاملا في تضخيم الرغبة في الهجرة بدل الحد منها. فكلما اصبحت امكانية التنقل نادرة وصعبة، ارتفعت قيمتها الرمزية، وتحولت الضفة الاخرى الى حلم اكبر مما هي عليه في الواقع.

فالمنع لا يلغي الرغبة دائما، بل قد يجعل الشيء الممنوع يبدو اكثر جاذبية، خصوصا عندما يكون الفرق بين عالمين مرئيا كل يوم، ولا تفصل بينهما في حالة سبتة سوى بضعة امتار من السياج او مسافة قصيرة في البحر.

وهنا تظهر ايضا مسالة عدم المساواة في الحق في التنقل. فالمواطن الاسباني او الفرنسي قد يقرر مغادرة مدينته او بلده بحثا عن العمل او الدراسة او تجربة حياة جديدة. وقد ينتقل من مدريد الى باريس، او من باريس الى بروكسيل، او من دولة اوروبية الى اخرى، دون ان يوصف فعله بالهروب الجماعي او بالهجرة السرية.

غالبا ما يطلق على ما يقوم به اسم التنقل، او الدراسة في الخارج، او تطوير المسار المهني، او خوض تجربة جديدة.

لا يعني ذلك ان المواطن الاوروبي لا يواجه صعوبات اجتماعية او اقتصادية، ولا يعني ان كل من يعيش في اوروبا سعيد او ناجح. فالاسبان والفرنسيون انفسهم يهاجرون عندما يعتقدون ان فرصهم افضل في مكان اخر.

غير ان الفارق الاساسي يكمن في ان المواطن الاوروبي يمتلك حقا قانونيا واسعا في التنقل والاقامة والعمل داخل دول الاتحاد الاوروبي، كما يمتلك جواز سفر يسمح له بدخول عدد كبير من الدول دون الخضوع للمساطر المعقدة نفسها.

اما الشاب المغربي، فعندما يرغب في خوض التجربة نفسها، يجد امامه التاشيرة، والمواعيد، والوثائق، والتكاليف، وشروط الاثبات، واحتمال الرفض، واحيانا الاحساس بالاهانة او بانعدام المساواة.

لذلك قد يكون الدافع الانساني متشابها لدى الطرفين، لكن جواز السفر والمسارات القانونية المتاحة يحولان حركة الاول الى تنقل طبيعي، وحركة الثاني الى هجرة غير نظامية تثير الخوف والضجيج والنقاش السياسي.

وبعبارة اخرى، المواطن الفرنسي او الاسباني يهاجر بدوره عند الحاجة، لكنه اكثر حظا في الهجرة، لان تنقله لا يصطدم عادة بالحدود نفسها ولا يثير الضجيج نفسه. فالامتياز هنا ليس في غياب الرغبة في المغادرة، بل في وجود الحق والوسائل القانونية التي تجعل المغادرة ممكنة وامنة.

وتزداد خطورة الوضع عندما يتعلق الامر بالقاصرين. فالقاصر يعيش في هذه الحالة تراكبا لعدة اشكال من الهشاشة: هشاشة مرتبطة بالسن وعدم اكتمال القدرة على تقدير المخاطر، وهشاشة تعليمية قد تحد من فرصه في بناء مشروع واقعي، وهشاشة اجتماعية او اسرية قد تجعله اكثر استعدادا لتصديق الصور والوعود المتداولة حول الحياة في اوروبا.

كما تلعب الحكايات الفردية ومقاطع وسائل التواصل الاجتماعي دورا مهما في تغذية فكرة العبور. فالقاصر يرى من نجح في الوصول، لكنه لا يرى دائما من غرق، او من تعرض للاستغلال، او من عاش في الشارع، او من قضى شهورا وسنوات داخل مراكز الايواء دون دراسة مستقرة او اندماج حقيقي.

تصل اليه صورة الوصول، بينما تختفي عنه تكلفة الطريق وما بعد الوصول.

وتوجد ايضا لدى بعض القاصرين واسرهم فكرة مفادها ان مجرد الوصول الى التراب الاسباني يعني استحالة اعادتهم الى بلدهم. غير ان المسالة القانونية اكثر تعقيدا من ذلك.

فالقاصر غير المصحوب لا يخضع للارجاع الفوري او التلقائي بالطريقة نفسها التي قد تطبق على الشخص الراشد، بل يجب وضعه تحت حماية المؤسسات المختصة ودراسة وضعه وفق مصلحته الفضلى، والتاكد من وجود ترتيبات مناسبة لاستقباله قبل اتخاذ قرار اعادته.

ومع ذلك، لا يعني هذا وجود منع قانوني مطلق ودائم من اعادة القاصر الى بلده.

غير ان الفهم المبسط او الخاطئ لهذه الحماية القانونية يمكن ان يتحول الى عامل جذب، خصوصا عندما تجتمع هشاشة السن مع ضعف التاطير الاسري والتعليمي، ومع الاعتقاد بان الوصول وحده كاف للحصول على الاقامة والحماية ومستقبل افضل.

كما ان معرفة القاصر بانه لن يعاد مباشرة بعد وصوله قد تجعله يستهين بمخاطر الطريق، او ينظر الى العبور باعتباره فرصة لا تتكرر، دون ان يدرك حجم المخاطر التي قد تنتظره خلال الرحلة او بعد الوصول.

لذلك لا ينبغي ان نتعامل مع هؤلاء الشباب باعتبارهم ابطالا حققوا انجازا بمجرد عبور الحدود، لان في ذلك تشجيعا غير مباشر على المخاطرة بالحياة.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي وصفهم بالخونة او الجاحدين او المجرمين، لان ذلك يمنعنا من فهم الرسالة الاجتماعية والنفسية التي تحملها هذه الظاهرة.

كما لا يمكن الاكتفاء بالقول ان الشباب غادروا فقط بسبب فشل الدولة، ولا بالقول المقابل انهم غادروا لانهم لا يقدرون وطنهم. فالمسالة اعمق من هذا الاستقطاب.

نحن امام جيل اصبح وعيه عالميا، بينما ظلت فرصه في الحركة محلية ومحدودة. جيل يرى امكانيات العالم كلها، لكنه يشعر بان مكان ولادته هو الذي يحدد مسبقا مدى قدرته على الوصول اليها.

ومواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط بتشديد المراقبة على الحدود، رغم اهمية حماية الارواح ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر. كما لا تكون فقط بخطابات وطنية تطلب من الشاب ان يصبر وان يحب بلده.

المطلوب هو بناء اسباب واقعية للبقاء، وفتح امكانيات قانونية ومنظمة للحركة.

نحتاج الى مدرسة تمنح الشاب ادوات بناء المستقبل، والى اقتصاد يسمح بالمبادرة والترقي الاجتماعي، والى ادارة تحترم كرامته، والى عدالة مجالية تقلص الفوارق بين المدن والقرى والمناطق الحدودية، والى برامج حقيقية لادماج المنقطعين عن الدراسة.

كما نحتاج الى توسيع فرص الدراسة والتكوين والعمل الموسمي والتبادل والتنقل القانوني، لان اغلاق جميع الابواب القانونية لا يلغي الحركة، بل قد يدفعها نحو الطرق الاكثر خطورة.

الهجرة ليست دائما اعلانا عن كراهية الوطن، كما ان البقاء ليس دائما دليلا على الرضا عن الاوضاع. فقد يحب الانسان بلده، لكنه لا يرى داخله المكان الذي يستطيع ان يصبح فيه الشخص الذي يطمح اليه.

لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا يريد هؤلاء الشباب مغادرة المغرب؟

السؤال الاعمق هو: لماذا اصبح عدد منهم يعتقد ان مستقبله لا يمكن ان يبدا الا بعد عبور الحدود؟

واذا اردنا فعلا معالجة الظاهرة، فعلينا الا ننظر فقط الى من يحاولون اجتياز السياج او البحر، بل الى السياج غير المرئي الذي نشا داخل اذهانهم، وجعل الحلم والحياة والنجاح والحرية مرتبطة دائما بمكان اخر.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x