2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
وفاة المحامي التاريخي في قضة بن بركة عن عمر يناهز 97 سنة
غيب الموت في العاصمة الفرنسية باريس، المحامي الفرنسي البارز موريس بوتان، عن عمر ناهز 97 عاما.
وقد اقترن اسم بوتان، المولود في مدينة مكناس المغربية، لأكثر من ستة عقود بملف اختطاف واختفاء الزعيم المعارض المغربي المهدي بن بركة.
وفي بيان نعي، أعربت أسرة المهدي بن بركة عن بالغ حزنها وأساها لرحيل بوتان.
وأوضح البيان، الذي حمل توقيع نجل المعارض المغربي، بشير بن بركة، أن دور الراحل لم يقتصر على كونه المحامي التاريخي للعائلة طوال ستين عاماً، بل كان بمثابة “الصديق” و”شبه الأخ” الذي جمعته بهم روابط إنسانية تخطت حدود المهنة، واصفة إياه بأنه “تجسيد حي للنضال في سبيل الحقيقة والعدالة والذاكرة”.
وتعود بدايات هذا الارتباط الوثيق إلى أكتوبر الأول 1965، حين وكلته والدة المهدي بن بركة للدفاع عن مصالح الأسرة فور شيوع نبأ اختطاف ابنها في باريس.
وقد جاء هذا الاختيار بناءً على وصية مسبقة من بن بركة نفسه لشقيقاته، باللجوء إلى بوتان إن أصابه أي مكروه. وعقب رحيل والدة بن بركة، ورفع العائلة دعوى قضائية عام 1975 تتعلق بالاختطاف والاحتجاز التعسفي والقتل، استمر بوتان في حمل مشعل الدفاع، حتى أصبح المحامي الوحيد المتبقي في هيئة دفاع الطرف المدني، إثر رحيل زميليه ليو ماتاراسو وجيرمان سينيشال.
وقد ثمنت الأسرة إلمامه العميق بالتاريخ السياسي الحديث للمغرب، وهو ما أسهم بشكل فعّال في تنوير قضاة التحقيق والمحكمة خلال عامي 1966 و1967 بشأن الأبعاد الخفية للقضية.
ولم تنحصر جهود بوتان في المرافعات القانونية، بل شملت إجراء تحقيقات مستقلة، والبحث عن شهود، والتصدي لما أسمته الأسرة بـ”العراقيل السياسية” الفرنسية والمغربية، فضلاً عن نسج قنوات تواصل مستمرة مع صناع القرار في كلا البلدين لمساعدة قضاة التحقيق المتعاقبين على فهم تعقيدات الملف، مما جعل اسمه مرادفاً لـ”قضية بن بركة” لعقود طوال.
ولطالما حمل بوتان في وجدانه مكانة خاصة للمغرب الذي أبصر فيه النور؛ فقد مارس مهنة المحاماة هناك إبان فترة الحماية الفرنسية، مدافعاً عن ثلة من المناضلين الوطنيين، واستمر في مؤازرة الديمقراطيين المغاربة حتى بعد نيل البلاد استقلالها.
ولم يقتصر إشعاعه الحقوقي والسياسي على الملف المغربي، بل اتخذ منذ يونيو/حزيران 1967 من الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني قضية محورية، وانخرط في العديد من الهيئات الفرنسية الداعمة لفلسطين والعالم العربي، كجمعية التضامن الفرنسي-العربي وجمعية التضامن فرنسا-فلسطين.
وتُوجت جهوده بتوليه الرئاسة الشرفية لـ”لجنة اليقظة من أجل سلام حقيقي في الشرق الأوسط”، وتكثيف نشاطه عبر تنظيم المؤتمرات وتوجيه النداءات للقيادات الفرنسية للاعتراف بدولة فلسطين، مما أهله لنيل لقب “مواطن شرفي لفلسطين”. كما سُجلت له مواقف صلبة مناهضة للغزو الأمريكي للعراق، ومساندة مستمرة للقضايا العربية في الأوساط الأوروبية.
وعلى الرغم من طعنه في السن وانتقاله للعيش مع زوجته “مادو” في منطقة فوكلوز جنوبي فرنسا، إلا أن جذوة اهتمامه بالقضايا التي وهبها عمره لم تنطفئ، وعلى رأسها فك لغز اختفاء بن بركة ومناصرة القضية الفلسطينية، حيث كانت أمنيته الكبرى حتى أيامه الأخيرة تتمثل في كشف النقاب عن مصير بن بركة.
وفي ختام البيان، شدد بشير بن بركة على أن غياب بوتان سيترك أثرا عميقا في نفوس المغاربة والفلسطينيين، مؤكداً أن موريس بوتان “سيحيا أبد الدهر في قلوبنا”، وأن ما تركه من إرث زاخر بالتفاؤل والإصرار سيزيد العائلة عزماً على مواصلة درب البحث عن الحقيقة.