2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
عبد الرزاق الجباري
نص الدستور المغربي لسنة 2011 في تصديره على: “جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة”.
وقد اختلف الرأي حول ما إذا كانت القيود الواردة في هذا المقتضى، ولا سيما عبارات “وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة”، واردة على مبدإ سمو الاتفاقيات الدولية وتطبيقها من طرف القضاء، أم إنها واردة على المصادقة عليها وإدماجها في النظام القانوني الوطني.
فذهب جمهور الفقهاء والشراح والباحثين إلى أن تلك القيود واردة على مبدإ السمو، بما مؤداه أن الاتفاقية الدولية المصادق عليها تسمو على التشريع الوطني متى كانت غير متعارضة مع الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة. بينما ذهب اتجاه آخر، وإن كان محدودا، إلى أن هذه القيود إنما تتعلق بالمصادقة على الاتفاقية وشروط إدخالها إلى النظام القانوني الوطني.
وبعد التأمل في المقتضى الدستوري موضوع هذه العجالة، أعتقد أن الرأي الثاني هو الأقرب إلى منطق النص وقواعد تفسيره، وأن القيود المذكورة واردة على المصادقة وإدماج الاتفاقية في النظام القانوني الوطني، وليس على مبدإ سموها على التشريع الوطني بعد استيفائها لشروط المصادقة والنشر.
وبيان صحة هذا الرأي من عدة وجوه:
الأول: أن المشرع الدستوري ميز، في المقتضى ذاته، بين “قوانين المملكة” و”التشريعات الوطنية”، وهو تمييز لا ينبغي إغفاله عند تفسير النص؛ فالتشريع، من حيث المفهوم، يعتبر أحد مصادر القانون، ويقصد به القواعد القانونية المكتوبة الصادرة عن السلطة المختصة وفق المسطرة الدستورية المقررة، بينما مفهوم القانون أوسع منه في المجال التداولي القانوني، إذ يشمل مجموع القواعد القانونية المنظمة للمجتمع، أيا كان مصدرها، سواء أكان تشريعا أم عرفا أم شريعة أم اجتهادا قضائيا.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل ما يدخل في مفهوم “قوانين المملكة” يمكن أن يكون في مرتبة واحدة مع التشريع، وإنما المقصود أن اختيار المشرع الدستوري لعبارتي “قوانين المملكة” و”التشريعات الوطنية” في جملة واحدة يقتضي عدم التعامل معهما باعتبارهما مترادفين.
الثاني: أن القول بكون عبارة “قوانين المملكة” تشكل قيدا على مبدإ سمو الاتفاقية يثير إشكالا من الناحية المنطقية؛ ذلك أن التشريع الوطني يندرج، من حيث هو قاعدة قانونية صادرة عن السلطة التشريعية، ضمن المفهوم الواسع للقانون الذي يراد من الاتفاقية أن لا تكون مخالفة له من جهة، وجعلها تسمو عليه عند التعارض من جهة أخرى، وفي الآن نفسه.
فإذا قيل إن الاتفاقية لا تسمو على التشريع إلا إذا كانت موافقة لقوانين المملكة، وكان التشريع نفسه من مكونات النظام القانوني الوطني، فإننا نكون أمام نتيجة مفادها أن الاتفاقية لا تسمو إلا على التشريع الذي لا يتعارض معها أصلا، وهو ما يفرغ مبدأ السمو من مضمونه؛ ذلك أن السمو لا تظهر أهميته إلا عند قيام التعارض بين الاتفاقية والتشريع الوطني. فإذا كانت الاتفاقية لا يمكن أن تسمو إلا متى كانت موافقة ابتداء للقوانين الوطنية، فإن الحديث عن أولوية تطبيقها على التشريع، بما هو جزء من تلك القوانين، عند التعارض، يصبح عديم المعنى والدلالة.
الثالث: أن القول بكون القيود المذكورة واردة على مبدإ السمو يثير تساؤلا حول الحكمة من إلزام السلطات المعنية، في الجملة ذاتها، “بالعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة”.
فلو كانت الاتفاقية لا تتمتع بالسمو إلا إذا كانت منسجمة أصلا مع الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، لما كانت هناك حاجة للإلزام الدستوري اللاحق بملاءمة التشريعات معها؛ ذلك أن الملاءمة لا يكون لها معنى إلا إذا كانت هناك تشريعات وطنية تحتاج إلى تعديل أو تغيير حتى تنسجم مع الالتزامات الدولية، وهو ما لا يستقيم مع القول بأن السمو لا يتحقق إلا بموافقة الاتفاقية للقوانين الوطنية.
ومن ثم، فإن الجمع بين عبارتي “تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية” و”العمل على ملاءمة هذه التشريعات” يوحي بأن المشرع الدستوري تصور احتمال وجود تعارض بين الاتفاقية والتشريع الوطني، وأراد معالجة هذا التعارض على مستويين: مستوى السمو والأولوية في التطبيق، ومستوى الملاءمة التشريعية؛ فالسمو يعالج التعارض من حيث ترتيب القواعد القانونية وتحديد القاعدة التي يتعين تطبيقها عند قيام ذلك التعارض، في حين تعالج الملاءمة هذا التعارض من حيث إزالة أسبابه من التشريع الوطني. وبعبارة أخرى: السمو أثر قانوني، والملاءمة التزام تشريعي.
الرابع: أن عبارة “كما صادق عليها المغرب” تكتسب أهمية خاصة في تحديد محل القيود الواردة بعدها؛ فالدستور لم يقل فقط: “جعل الاتفاقيات الدولية تسمو”، وإنما قال: “جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور ..”؛ وبذلك يكون، واضحا، فهم عبارة “وفي نطاق أحكام الدستور ..” باعتبارها مرتبطة بمرحلة المصادقة والإدماج، لا باعتبارها شرطا يجعل سمو الاتفاقية، بعد نفاذها، معلقا على استمرار مطابقتها لكل قاعدة تشريعية وطنية.
الخامس: أن هذا الفهم ينسجم مع توزيع الاختصاصات الدستورية بين السلطات، ولا سيما في مجال الرقابة على دستورية القوانين؛ فالفصل 132 أسند إلى المحكمة الدستورية اختصاص البت في مطابقة القوانين للدستور، كما جعل الفصل 133 المحكمة الدستورية مختصة بالنظر في الدفع المتعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية.
ومؤدى ذلك أن القضاء، وهو يمارس مهام تطبيق القانون، طبقا للفصلين 110 و117 من الدستور، ليس هو الجهة الدستورية التي أوكل إليها تقرير مدى دستورية القانون.
ومن ثم، فإن تفسير عبارة “في نطاق أحكام الدستور” باعتبارها تمنح القضاء سلطة، في كل قضية معروضة عليه، لفحص مدى موافقة الاتفاقية الدولية لأحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، ثم تقرير عدم تطبيقها، سيكون بحاجة إلى سند دستوري صريح، ولا سيما أن الدستور نفسه وضع آلية خاصة لمراقبة دستورية القوانين وأسندها إلى المحكمة الدستورية كما سلف بيانه.
السادس: أن “الواو” الداخلة على عبارة “وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة” لا ينبغي أن تحمل على أنها عاطفة لهذه العبارة على عبارة “كما صادق عليها المغرب”، بالمعنى الذي يجعل القيود اللاحقة قيدا على مبدإ السمو ذاته؛ فالتركيب اللغوي يدل على أن العبارات الواقعة بين الفواصل تشكل قيدا تفسيريا للاتفاقيات التي صادق عليها المغرب، وتحدد الإطار الدستوري والقانوني الذي تتم فيه المصادقة والإدماج، ولا سيما أن النص ينتقل بعد ذلك مباشرة إلى تقرير الأثر القانوني: “تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية”.
وإذا كان المقصود تقييد مبدإ السمو ذاته، فإن صياغة النص كان يمكن أن تكون أوضح في ربط قيد “في نطاق أحكام الدستور ..” بفعل “تسمو”، كأن يقول المشرع الدستوري: “جعل الاتفاقيات الدولية تسمو على التشريعات الوطنية في نطاق أحكام الدستور ..”. أما الصياغة التي اعتمدها، فتجعل هذه العبارة واقعة قبل فعل “تسمو”، وبعد الإشارة إلى المصادقة، وهو ما يدل على أنها قيد على الاتفاقية من حيث المصادقة والإدماج، لا من حيث الأولوية التي منحها لها الدستور على التشريع الوطني.
ومن هنا، يمكن القول إن القراءة التي تجعل القيود الواردة في عبارات “وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة” قيودا على المصادقة والإدماج، لا على مبدإ السمو ذاته، تبدو أكثر اتساقا مع البناء الداخلي للنص، ومع النسق العام للنظام الدستوري المغربي.
وترتيبا على هذه النتيجة، فإن الاتفاقية الدولية، متى استوفت شروط المصادقة والنشر، تتمتع بالسمو الذي أقره لها الدستور على التشريع الوطني، ويتعين على القضاء تطبيقها مباشرة عند قيام التعارض بينها وبين التشريع الوطني، دون أن يتولى فحص مدى مطابقتها للدستور أو لقوانين المملكة أو للهوية الوطنية الراسخة، باعتبار أن الرقابة على دستورية القوانين قد أسندها الدستور إلى المحكمة الدستورية، وأن إخضاع الاتفاقية بعد نفاذها لرقابة قضائية تستهدف شروط المصادقة والإدماج التي استوفتها، من شأنه أن يفرغ مبدإ سموها من مضمونه ويخل بالتوزيع الدستوري للاختصاصات.
الرئيس السابق لنادي قضاة المغرب
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.