لماذا وإلى أين ؟

خبيرة هجرة تفكك أبعاد تصرحيات الوزير وهبي حول إعادة القاصرين

احتل ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين الموجودين في إسبانيا واجهة النقاش، وذلك في أعقاب تصريحات أطلقها وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وفي ظل استمرار الخلاف بين الرباط ومدريد بشأن آليات إعادتهم، وسط دعوات إلى التعامل مع القضية باعتبارها ملفا حقوقيا وإنسانيا وقانونيا يتجاوز مجرد تدبير الهجرة.

وكان وزير العدل قد أكد، أمس الإثنين 10 غشت الجاري، خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، أن المغرب يطالب باسترجاع القاصرين الموجودين في إسبانيا، ومن ضمنهم الواصلين خلال موجة الهجرة التي عرفتها منطقة سبتة المحتلة مؤخرا، مشيرا إلى أن البلدين لم يتمكنا، إلى حدود الآن، من التوصل إلى اتفاق بشأن آليات الإعادة.

وتعليقا على تصريح الوزير وهبي، ترى الخبيرة في الهجرة والأستاذة بجامعة القاضي عياض بمراكش، حنان السرغيني، أن الملف يحتاج إلى مقاربة “هادئة ومتوازنة”، بعيدا عن التجاذبات السياسية والإعلامية، بالنظر إلى حساسيته وتعقيداته المتعددة.

حنان السرغيني

وأوضحت السرغيني، في تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن قضية القاصرين غير المصحوبين لا ينبغي اختزالها في الهجرة أو ضبط الحدود، لأن الأمر يتعلق، أساسا، بأطفال يوجدون في وضع هش، ويحتاجون إلى الحماية والرعاية، إلى جانب ما يرتبط بأوضاعهم الأسرية والقانونية والحقوقية.

ويأتي هذا الطرح في وقت أكد فيه وهبي أن الخلاف مع الجانب الإسباني لا يتعلق فقط بمبدأ الإعادة، بل يمتد إلى كيفية تنفيذها، لأن “الإسبان لهم رؤيا ونحن لنا رؤيا، ولم نستطع التوصل لاتفاق”، مضيفا أن الرباط تواجه صعوبات مرتبطة بالملفات التي تحال عليها.

وذكرت السرغيني بالاتفاق المغربي الإسباني لسنة 2007 المتعلق بالوقاية من الهجرة غير النظامية للقاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وعودتهم المتفق عليها.

وأوضحت عضوة الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث في الهجرة أن “فلسفة الاتفاق لا تقوم على الإرجاع وحده، بل على التعاون بين البلدين في مجالات الوقاية والحماية وتبادل المعلومات والعودة المنسقة، إلى جانب مواجهة شبكات تهريب الأشخاص”.

وشددت السرغيني على أن القاصر الموجود في إسبانيا لا يفقد حقوقه بسبب وضعه الإداري أو جنسيته، إذ “القاصر غير المصحوب ليس مجرد مهاجر يوجد في بلد آخر، بل طفل يتمتع بحقوق أصيلة في الحماية والكرامة”.

في المقابل، كان وهبي قد تحدث عن صعوبات يقول إن المغرب يواجهها خلال مسار إعادة القاصرين، مشيرا إلى أن الجانب الإسباني يقدم، في بعض الحالات، ملفات لا تتطابق مع المعطيات التي ينتظرها المغرب.

ووضعت السرغيني هذه الإشكالات ضمن مسار قانوني يتطلب، بحسبها، دراسة كل حالة على حدة، مؤكدة أن اتفاقية 2007 “لا تمنح المغرب حق فرض الإرجاع من جانب واحد، كما لا تسمح لإسبانيا بإعادة القاصرين تلقائيا أو جماعيا”.

وترى الباحثة في قضايا الهجرة أن قرار العودة يجب أن يخضع للقانون الإسباني والالتزامات الدولية ومبدأ المصلحة الفضلى للطفل، موضحة أن السؤال الأساسي “ليس: هل نعيد القاصر؟ بل: كيف نضمن أن تكون عودته آمنة وقانونية ومتوافقة مع مصلحته الفضلى؟”.

وشددت السرغيني على أن العودة لا ينبغي أن تختزل في عملية نقل القاصر من إسبانيا إلى المغرب، وإنما يجب أن تسبقها إجراءات دقيقة للتأكد من هويته وسنه ووضعه الأسري، إلى جانب تقييم الظروف التي سيعود إليها.

وأشارت السرغيني إلى ضرورة الاستماع إلى القاصر بما يتناسب مع سنه ونضجه، وتقييم ما إذا كانت عودته ستوفر له الحماية والاستقرار وفرص الاندماج.

وفي الحالات التي يتعذر فيها لم الشمل الأسري أو لا يكون آمنا، ترى السرغيني أن المغرب مطالب بتوفير بديل مؤسساتي حقيقي، مؤكدة ضرورة “وجود مؤسسة مختصة ومؤهلة تضمن الرعاية والحماية وإعادة الإدماج”.

وأثارت السرغيني مسألة ظروف الاستقبال والحماية باعتبارها عنصرا أساسيا في تقييم أي عملية عودة، خصوصا مع تداول صور ومقاطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن ظروف صعبة أو عن سوء معاملة محتمل لبعض القاصرين في سبتة، مستدركة أن “المهنية تفرض عدم التعامل مع كل ما ينشر باعتباره دليلا نهائيا قبل التحقق من مصدره وتاريخه وسياقه”.

وفي حال ثبتت الوقائع التي تتحدث عنها هذه المواد، ترى الخبيرة في الهجرة أن الأمر يستوجب “تحقيقا مستقلا ومساءلة جدية”، لأن ذلك يمس، بحسبها، واجب حماية القاصر من طرف الدولة التي يوجد فوق ترابها.

وكان وهبي قد تحدث عن تقارير بشأن تعرض قاصرات مغربيات لاعتداءات جنسية في إسبانيا، مؤكدا أن السلطات المغربية تتابع الموضوع وأنها سبق أن نبهت الجانب الإسباني إليه.

وحذر وهبي من أن استمرار هذا الوضع قد تكون له انعكاسات على الأسر المغربية، قائلا إن الرباط سبق أن نبهت مدريد إلى أن “هذا التوجه الذي تسيرون فيه ينعكس بشكل سلبي على استقرار الأسر بالمغرب ويشكل تحريضا على القيام بالهجرة السرية”.

ودعت السرغيني إلى تجاوز منطق تبادل الاتهامات، معتبرة أن “الحل لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في تفعيل آليات التعاون بين البلدين، ودراسة وضع كل قاصر على حدة، والتحقق من ظروف الاستقبال قبل العودة، ثم متابعة وضعه بعدها”.

وفي هذا الإطار، أوضحت السرغيني أن لجنة المتابعة المشتركة المنصوص عليها في الاتفاقية يمكن أن تشكل أرضية عملية لتقييم تدابير الحماية والعودة وإعادة الإدماج، بدل أن يبقى الملف رهين المواقف المتباعدة بين البلدين.

وأكدت الأستاذة بجامعة القاضي عياض أن مطالب المغرب ينبغي فهمها “في إطار تفعيل اتفاقية 2007 بجميع مقتضياتها، لا باعتبارها مجرد مطالبة سياسية بالإرجاع”، معتبرة أن مسؤولية إسبانيا تتمثل في الحماية والتنسيق واحترام حقوق الطفل، فيما تقتضي مسؤولية المغرب الاستعداد لاستقبال من تقررت عودته في إطار قانوني.

وكان وهبي قد كشف عن التحضير لعقد لقاءات خلال الأسابيع المقبلة بهدف البحث عن تسوية للملف و”إيجاد حل”.

وبالنسبة إلى السرغيني، فإن نجاح هذا المسار لا يقاس بعدد القاصرين الذين تتم إعادتهم، وإنما بمدى احترام حقوقهم وضمان سلامتهم وإعادة إدماجهم.

وتختصر الخبيرة جوهر المقاربة التي تدعو إليها بالقول: “هؤلاء أطفال قبل أن يكونوا مهاجرين”.

وأضافت السرغيني أن “حقوقهم لا تتغير بتغير المكان”، ولذلك فإن حماية القاصر وصون كرامته وضمان عودة آمنة وقانونية، عندما تكون العودة هي الخيار الأفضل له، ينبغي أن تظل المعيار الأساسي في معالجة هذا الملف.

ونبهت السرغيني إلى أن “الحل لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في تفعيل آليات التعاون بين البلدين، ودراسة وضع كل قاصر على حدة، والتحقق من ظروف الاستقبال قبل العودة، ثم متابعة وضعه بعدها”، موضحة أن “لجنة المتابعة المشتركة المنصوص عليها في الاتفاقية يمكن أن تشكل إطارا عمليا لتقييم تدابير الحماية والعودة وإعادة الإدماج”.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x