2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
رشيد ايت بلعربي
أثار القرار عدد 2026/277 الصادر عن المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور سؤالا عريضا حول السر الذي جعل المحكمة الدستورية تصدره قرارا كهذا.
ففي ظل الشلل التام الذي يشهده مرفق العدالة نتيجة توقف المحامين عن أداء مهامهم لمدة تقارب الشهرين، و بعد 32 يوما من الانتظار للبت في مطابقة هذا القانون للدستور، تطل علينا اليوم المحكمة الدستورية بقرار يشكل سابقة في تاريخ عمل هاته المحكمة تخبرنا فيه بتعذر البت في الإحالة المذكورة معللة ذلك بأنها لم تتوصل بالقانون في صيغته النهائية . و قد جاءت حيثيات قرارها كالتالي:
“وحيث إن اكتفاء الجهة المحيلة بإرفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية، ضُمن فيه مشروع القانون المذكور، قبل تمام الموافقة عليه، لا يُمكّن المحكمة من بسط رقابتها على القانون المطلوب البت في مطابقته للدستور؛
وحيث إن المحكمة لا تمارس رقابتها على دستورية القوانين، في إطار الرقابة السابقة الاختيارية، إلا في الحدود التي رسمها الدستور، ووفق الكيفيات والإجراءات الشكلية والجوهرية التي يحددها القانون التنظيمي لها، وعلى أساس الوثائق المحالة إليها من طرف جهة الاحالة؛
وحيث إن عدم إرفاق الجهة المحيلة لرسالة الإحالة، بنسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد مراقبة دستوريته، يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون بت المحكمة الدستورية في القضية المعروضة عليها”.
و إذا كان هذا التعليل لا ينفي مسؤولية رئيس مجلس النواب الذي أحال النسخة المصادق عليها من طرف مجلس النواب في قراءته الثانية عن هذا الخطإ الفادح و هو ما يطرح عدة تساؤلات لا مجال للتفصيل فيها. فإنه و بنفس القدر لا ينفي مسؤولية المحكمة الدستورية عن هدر الزمن القضائي و السياسي في ظل وضعية الشلل التي تعرفها محاكم المملكة و ما تتكبده ميزانية الدولة من خسائر فادحة. فالأمر يتعلق بقانون ينظم مهنة تشكل شريان الحياة داخل قطاع العدالة. و هو الشريان الذي توقف عن أداء وظيفته منذ ما يقارب شهرين. و قد كان الكل ينتظر قرارا لهاته المحكمة يعالج الخروقات الدستورية الكثيرة التي حملها هذا القانون. لكن كان لأعضاء هاته المحكمة رأي آخر.فما هي الخطيئة الكبرى التي كانت سترتكبها المحكمة الدستورية لو طلبت من رئيس مجلس النواب أن يمدها بالقانون وفق الصيغة النهائية التي صادق عليها مجلس المستشارين؟ و ما هو القانون الذي كانت ستخرقه المحكمة الدستورية لو بتت في مدى مطابقة القانون للدستور بناء على صيغته النهائية التي تعلم علم اليقين وجودها أو أن تسعى للحصول عليها بأية طريقة كما فعلت عندما فحصها لدستورية قانون المسطرة المدنية؟
فالمادة 132 من الدستور لم تحدد شكليات الإحالة بشكل دقيق.و هو نفس الأمر بالنسبة للمادة 26 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية . و إنما اكتفيا بالإشارة إلى رسالة الإحالة دون أية تفاصيل أخرى. و لا يوجد نص قانوني آخر يحدد كيفية تعامل المحكمة الدستورية مع جهة الإحالة و هو ما يدفع هاته المحكمة للاجتهاد لتنزيل النص على أرض الواقع. و لهذا فعندما نعود إلى قرار المحكمة الدستورية المتعلق بالبت في مطابقة قانون المحاماة للدستور نجد أن الإحالة تمت بنفس الطريقة التي تمت بها إحالة قانون المسطرة المدنية. أي أن رئيس مجلس النواب أرفق رسالة الإحالة بقانون المسطرة المدنية وفق الصيغة التي صادق عليه بها مجلس النواب في قراءة ثانية رغم أن هذا القانون عرض بعد هاته القراءة على مجلس المستشارين في قراءة ثانية. و رغم ذلك لم تصرح المحكمة الدستورية بتعذر البت في مدى دستوريته بل و لم تطلب من جهة الإحالة مدها بالنسخة النهائية للقانون و مع ذلك حصلت عليها بطريقة لم توضحها حتى في قرارها و قضت بعدم مطابقة عدد من مواد القانون للدستور. و قد عللت قرارها في هذا الشق بما يلي:
“أولا- فيما يتعلق بالاختصاص:
حيث إن الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، تنص على أنه: “يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور.”؛
وحيث إن رسالة إحالة السيد رئيس مجلس النواب المذكورة أعلاه، وإن تضمن موضوعها “إحالة القانون المتعلق بالمسطرة المدنية في صيغته النهائية كما صادق عليها مجلس المستشارين في قراءة ثانية “، فإن هذه الإحالة أرفقت بنسخة من “مشروع قانون رقم 02.23 يتعلق بالمسطرة المدنية “، الذي صادق عليه مجلس النواب بتاريخ 17 يونيو 2025، وتبعا لذلك قامت هذه المحكمة باستحضار الصيغة النهائية للقانون، كما صادق عليها مجلس المستشارين بتاريخ 8 يوليو 2025؛
وحيث إن الإحالة، قُدمت من قبل رئيس مجلس النواب قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون، مما يجعلها مُتقيدة بأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور؛”.
فما الذي تغير بين الأمس و اليوم و منع المحكمة الدستورية من استحضار الصيغة النهائية للقانون 66.23 المنظم لمهنة المحاماة ؟ أم أن هذا القانون تحول إلى جمرة حارقة يكتوي بلهيبها الجميع بعدما سبق لرئيس مجلس النواب أن أحاله على المحكمة الدستورية في ظرف ساعات من المصادقة عليه من طرف مجلس المستشارين في محاولة لإطفاء غضب المحامين ؟
إننا عندما نتحدث عن رقابة القضاء الدستوري، فإننا نتحدث عن رقابة على قدر كبير من الجسامة و الأهمية. فالقضاء العادي و رغم أن القوانين المسطرية تقيده بمجموعة من القيود فإنه و مع ذلك يجتهد في كثير من الأحيان لتفادي العيوب التي تعرقل بته في جوهر النزاع. فكيف للقضاء الدستوري أن يخلق حواجز لنفسه لا وجود لها في الدستور و لا في أي قانون تحول دون البت في مدى مطابقة القوانين المحالة عليه للدستور رغم أن هذا القضاء لا يتقيد بالحدود المرسومة للقضاء العادي و منها ضرورة التقيد بحدود طلبات الأطراف مثلا؟ فالقاضي الدستوري يبت في دستورية مواد القانون المحال عليه و لو لم تكن موضوع طلب من جهة الإحالة. فكيف لا يستطيع مطالبة هاته الجهة بمده بالصيغة النهائية للقانون التي لم يلحقها أي تعديل أمام مجلس المستشارين تداركا للإغفال الذي تم في رسالة الإحالة كما فعل بخصوص قانون المسطرة المدنية عندما حصل على الصيغة النهائية للقانون بطريقته الخاصة ، و يوفر بذلك الوقت و الجهد و يحقق المصلحة العامة المنشودة ؟
لكن ما العمل الآن؟؟؟؟؟
نعم قرار المحكمة الدستورية صدر لكنه لم يتطرق لفحص دستورية مواد هذا القانون. و هو ما يعني أن هاته المحكمة لم تستنفذ صلاحياتها للنظر فيه. مما يفتح الباب لإحالة أخرى لهذا القانون على نظرها سواء من طرف رئيس مجلس النواب نفسه أو من طرف باقي الجهات بما فيها رئيس الحكومة الذي يملك حق المطالبة بالبت بشكل مستعجل داخل أجل 8 أيام طبقا للمادة 26 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.
محامي بهيئة القنيطرة
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها