لماذا وإلى أين ؟

هل ينظم المغرب إلى “تحالف مكة” ؟ (البراق يجيب)

شكل “التحالف الدفاعي” الذي أبرمته السعودية وتركيا وباكستان في “اتفاق مكة”، أحد أبرز التطورات الأمنية في المنطقة، بعدما نص على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة موقعة هجوماً على الدول الثلاث، ما يطرح تساؤلات بشأن موقع المغرب من الترتيبات الأمنية الجديدة، خاصة في ظل علاقاته الوثيقة تاريخياً مع الرياض.

وبعد مرور حوالي أسبوع على توقيع الاتفاق، لم يصدر عن المغرب أي موقف رسمي، حيث اختار موقع “المراقبة والتقييم الحذر”، وفق ما يرى مراقبون، في انتظار اتضاح طبيعة الاتفاق وآليات عمله وتوجهاته المستقبلية.

وجدير بالذكر أن الاتفاق لا يُقدَّم رسمياً باعتباره تكتلاً عسكرياً مغلقاً، فيما أبدت تركيا رغبة في توسيع التعاون ليشمل دولاً أخرى، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان المغرب سيكون معنياً بأي صيغة توسع مستقبلية.

وفي قراءة للتطورات التي حملها الاتفاق، أكد الخبير في العلاقات الدولية، البراق شادي عبد السلام، أنه “يمكن فهم الموقف المغربي تجاه “اتفاق مكة للدفاع المشترك” الموقّع بين السعودية وتركيا وباكستان من خلال قراءة قائمة على مبدأ التريث الاستراتيجي وقراءة موازين القوى الجديدة دون تسرع في اتخاذ مواقف علنية”.

وقال البراق، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، إنه “رغم غياب أي تصريح رسمي من الدولة المغربية حتى الآن، إلا أن المؤشرات في الرباط تؤكد أن المملكة المغربية تنظر إلى هذا التحالف باعتباره تحولاً جيوسياسياً بارزاً يعيد صياغة المحاور الدفاعية في العالم الإسلامي ومحيطه الإقليمي بشكل إيجابي”.

وذكّر البراق بالموقف المغربي المعروف، موضحاً أنه “من الناحية المبدئية، يرحب المغرب بأي جهود تهدف إلى تعزيز سيادة الدولة والأمن الإقليمي المشترك، والحد من التدخلات الخارجية، وحماية الممرات البحرية الحيوية كباب المندب ومضيق هرمز لما لها من ارتدادات مباشرة على الأمن الطاقي والاقتصادي للمملكة”.

ورغم رؤيته الإيجابية، استدرك البراق قائلاً: “ومع ذلك، فإن هذه النظرة الإيجابية تظل محكومة بواقعية مغربية تفضل مراقبة مدى انسجام هذا الحلف الجديد على أرض الواقع، خاصة في ظل تباين المصالح الحيوية للدول الثلاث الموقعة، وكيفية تعامل قوى إقليمية أخرى فاعلة مع هذا المعطى الناشئ”.

وفي سياق متصل، يرى البراق أن المغرب “ينطلق في ترحيبه المبدئي بحماية الممرات البحرية من وعي جيوسياسي عميق يربط بين الأمن البحري في المشرق والمغرب”، موضحاً أن “الرباط تنظر إلى أمن مضيق باب المندب باعتباره امتداداً حيوياً وجزءاً لا يتجزأ من أمن مضيق جبل طارق، نظراً للترابط الوثيق لخطوط الملاحة والتجارة الدولية بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط”.

واستطرد البراق قائلاً: “هذا الترابط الاستراتيجي ليس مجرد تنظير سياسي، بل تمليه عقيدة عسكرية مغربية أثبتت جديتها ميدانياً من خلال المشاركة الفاعلة للمملكة في “عملية عاصفة الحزم” باليمن”.

وذكر البراق بالدور الذي قامت به القوات المسلحة الملكية في هذه العملية، حيث قامت بـ”تأمين الاستقرار الإقليمي وحماية المضايق البحرية من التهديدات غير النمطية والميليشيات المسلحة”، مما يؤكد، وفق المتحدث ذاته، أن “الدبلوماسية الدفاعية المغربية مستعدة دائماً للانخراط في حماية الأمن القومي العربي، شريطة أن تخدم هذه التحالفات التوازن الإقليمي وتصون سيادة الدول”.

وجواباً عن سؤال حول إمكانية انضمام المغرب إلى هذا التحالف، الذي أطلق عليه البعض “نيتو سني”، يرى البراق أن “سيناريو الانخراط الفوري للمغرب كعضو كامل العضوية في “حلف مكة” غير وارد في المدى المنظور، حيث تميل المقاربة المغربية إلى الحفاظ على وضع “الشريك الاستراتيجي المرن” عوض الالتزام العسكري المطلق”.

وأرجع الخبير في النزاعات هذا التقدير بالأساس إلى “طبيعة بند “الدفاع المشترك” المتضمن في الاتفاقية، والذي يفرض التزاماً شبيهاً بالمادة الخامسة من حلف الناتو؛ وهي آلية قد تجر الدبلوماسية المغربية إلى صراعات وتوترات إقليمية بعيدة عن نطاق مصالحها الحيوية المباشرة، سواء أكانت نزاعات تركيا في شرق المتوسط والشرق الأوسط أو تعقيدات باكستان في جنوب آسيا ووسطها”.

واعتبر البراق أن المغرب يفضل “بدلاً من التوقيع على بروتوكول دفاعي جماعي ملزم، استثمار هذا المناخ الجيوسياسي لتعزيز تعاونه الثنائي مع أطراف الحلف”.

وشدد البراق على أن وجود المملكة العربية السعودية كقائد مالي وسياسي ومحوري لهذا التحالف يشكل “نقطة ارتكاز أساسية في التقييم المغربي”، موضحاً أن الرباط “ترى في أي خطوة تعزز أمن الرياض تقوية لعمقها الاستراتيجي الخاص”.

وذكّر الخبير في العلاقات الدولية بأن “العلاقات المغربية السعودية تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية إلى روابط تاريخية وعائلية متجذرة بين الأسرتين الحاكمتين”، منبهاً إلى أن المغرب أكد في أكثر من مناسبة أن “أمن واستقرار دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، هو خط أحمر وجزء لا يتجزأ من الأمن القومي المغربي”.

وبناءً على ذلك، يرى البراق أن نجاح “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” قد يمنح المغرب شعوراً أكبر بالارتياح تجاه استقرار شريكه الخليجي الأبرز، كما يفتح آفاقاً جديدة أمام تطوير التعاون العسكري والتنسيق الأمني بين الرباط والرياض في ظل هذا المناخ الجديد.

وأوضح الخبير أن هذا المسار يمكن أن يساهم في “تحصين الأمن المشترك ومواجهة التهديدات العابرة للحدود والجماعات المسلحة التي تهدد سلامة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط”.

غير أن التعاطي المغربي مع هذا التحالف، بحسب البراق، يحمل بعداً آخر يرتبط بضرورة الحفاظ على توازن علاقات المملكة مع مختلف مكونات مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.

وفي هذا الصدد، شدد على أن الرباط تدرك أن “الدبلوماسية الناجحة تتطلب عدم التموقع في محاور قد تفسر على أنها إضعاف لروابط إقليمية أخرى”، مشيراً إلى أن الشراكة الدفاعية والاقتصادية بين المغرب والإمارات تمثل “ركيزة صلبة ومتطورة ولها خصوصيتها التي لا تتأثر بالتحولات الخارجية”.

ويضيف البراق أن المغرب يحرص، في سياسته تجاه الخليج، على ألا يؤدي تفاعله مع “حلف مكة” إلى إحداث شرخ داخل المنظومة الخليجية التقليدية، بل يسعى إلى الحفاظ على التوافق الخليجي الداعم للقضايا التي تهم المملكة.

ومن أبرز هذه القضايا، وفق الخبير، قضية الصحراء المغربية، التي يشكل استمرار الدعم الخليجي لها أحد عناصر القوة في الدبلوماسية المغربية بالمنطقة.

وبذلك، يخلص البراق إلى أن الرباط قد تفضل الحفاظ على موقعها كـ”قوة إقليمية موثوقة” تتفاعل مع التحولات والتكتلات الأمنية الجديدة، دون التخلي عن تحالفاتها التقليدية أو الانخراط في التزامات عسكرية قد تحد من هامش حركتها الدبلوماسية.

ويرى البراق أن هذا النهج يمنح المغرب إمكانية الاستفادة من التحولات التي قد يفرضها التحالف السعودي التركي الباكستاني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاته المتوازنة مع مختلف العواصم الخليجية.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x