لماذا وإلى أين ؟

حكم قضائي يكلف وزارة التجهيز أكثر من 800 مليون بسبب صفقة

كلف حكم قضائي صادر عن المحكمة الإدارية بطنجة وزارة التجهيز والماء أكثر من 800 مليون سنتيم، في واحدة من أبرز النزاعات المرتبطة بصفقة عمومية لإنجاز أشغال تحويل مسار الطريق الإقليمية رقم 4702 بالمقطع الذي ستغمره مياه سد الخروب بإقليم العرائش. وقضت الغرفة الأولى بالمحكمة بأداء الدولة لفائدة الشركة المدعية مبلغ 8.093.178,66 درهماً، مع رفع اليد عن عدد من الضمانات والكفالات المرتبطة بالصفقة.

وتعود تفاصيل النزاع وفق مصادر خاصة، إلى صفقة أبرمت في يناير 2020 بقيمة إجمالية تناهز 84 مليون درهم، لإنجاز طريق بديلة على طول 14.2 كيلومتراً، بعدما حددت مدة التنفيذ في تسعة أشهر، قبل تمديدها إلى 15 شهراً بموجب ملحق. غير أن المشروع واجه منذ بدايته سلسلة من العراقيل، بينها تأخر تحرير الوعاء العقاري، واستكمال مساطر نزع الملكية، وتأخر الدراسات والمراقبة التقنية، فضلاً عن صعوبات مرتبطة بالطبيعة الجيوتقنية للمنطقة.

وحسب المعطيات التي عرضتها الشركة أمام القضاء، فإن الأشغال عرفت توقفات متكررة بأوامر من صاحب المشروع بلغ مجموعها 536 يوماً، أي نحو 17.57 شهراً. وبررت الشركة هذه التوقفات بانتظار المصادقة على صفقات المراقبة الطبوغرافية والجودة، وتعديل مخطط الطريق، فضلاً عن التساقطات المطرية وانجرافات التربة وانهيار المنحدرات، وهي عوامل قالت إنها أجبرتها على إعادة إنجاز أجزاء من الحفر والردم والقارعة أكثر من مرة.

ولم تتوقف الصعوبات عند العوامل التقنية والمناخية، إذ تزامن تنفيذ المشروع مع جائحة كورونا وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وما نتج عنهما من اضطراب في سلاسل التوريد وارتفاع أسعار المواد الأولية والنقل. كما دفعت الشركة بأن عدم صرف بعض مستحقاتها عن الأشغال المنجزة زاد من الضغط المالي عليها، في وقت كانت مطالبة فيه بالإبقاء على العمال والآليات والتجهيزات في الورش رغم فترات التوقف الطويلة.

غير أن نقطة التحول في الملف جاءت في غشت 2024، عندما قررت وزارة التجهيز والماء فسخ الصفقة بدعوى عدم إنجاز الأشغال داخل الآجال المحددة. الشركة طعنت في القرار، معتبرة أن الوزارة تجاهلت الأسباب التي عطلت الورش، وأن الإنذار الموجه إليها لم يحترم، بحسب دفوعها، الشروط المنصوص عليها في دفتر الشروط الإدارية العامة، خاصة من حيث تحديد الإخلالات وتبليغ الإنذار بواسطة أمر بالخدمة.

والأكثر إثارة في الملف أن الشركة دفعت أمام المحكمة بكون صاحب المشروع قام في 13 غشت 2024 بمعاينة الأشغال المنجزة وإعداد محضر للتسليم المؤقت، حيث أقر، وفق وثائق الدعوى، بجودة ومطابقة الأشغال المنجزة للمواصفات التقنية المتعاقد عليها. وبعد أيام قليلة، وتحديداً في 16 غشت، تم تبليغ الشركة بقرار فسخ الصفقة، وهو ما اعتبرته الأخيرة تناقضاً يؤكد، من وجهة نظرها، عدم سلامة قرار الفسخ.

وعقب الفسخ، طالبت الشركة بمبالغ مالية كبيرة شملت مستحقات الأشغال المنجزة، وتعويضات عن إزالة الردوم الناتجة عن انجرافات التربة، وقيمة المواد التي تم توريدها إلى الورش، فضلاً عن فوات الربح وتجميد الآليات والموارد البشرية والمصاريف العامة الناتجة عن فترات التوقف.

وبناء على تفاصيل الملف، قضت الغرفة الأولى بالمحكمة الإدارية بطنجة، بأداء وزارة التجهيز والماء، مبلغ 8.093.178,66 درهماً لفائدة الشركة، مع رفع اليد عن الضمانة النهائية وكفالات الاقتطاع الضامن وكفالة استرداد مبلغ التسبيق، فيما رفضت باقي الطلبات، وجعلت الصائر مناصفة بين الطرفين.

ويعيد هذا الحكم إلى الواجهة إشكالية تدبير الصفقات العمومية عندما تتداخل التأخيرات الإدارية والعراقيل التقنية والظروف الاستثنائية مع مسؤولية المقاولات عن احترام آجال الإنجاز. كما يسلط الضوء على أهمية الدراسات القبلية، وتحرير الوعاء العقاري، وضبط آجال التوقف والتمديد والتعويضات قبل إنطلاق الأشغال، حتى لا تتحول مشاريع البنية التحتية إلى نزاعات قضائية تنتهي بتحميل المال العام تكاليف إضافية.

وبذلك، لا تقتصر أهمية الحكم على مبلغ أكثر من 800 مليون سنتيم الذي ستؤديه وزارة التجهيز والماء، بل تكشف القضية أيضاً عن تعقيدات رافقت مشروعاً يفترض أن يوفر مساراً بديلاً للطريق التي ستغمرها مياه سد الخروب، بعدما انتقل الخلاف حول تنفيذ الأشغال وآجالها وقرار فسخ الصفقة من الورش إلى ردهات المحكمة الإدارية بطنجة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x