2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
صباح سبتة وكاليبسو البحر
عبدالحميد البجوقي
لم تكن تعرف إن كانت تسبح نحو سبتة أم تهرب منها..
في تلك الليلة لم تعد الجهات الأربع موجودة.
كان هناك بحر أسود فقط، وسماء بلا نجوم، وأجساد تتخبط حولها كأنها شظايا سفينة غرقت قبل أن تصل إلى اليابسة.
كانت صغيرة.
صغيرة إلى الحد الذي يجعل كلمة «مهاجرة» أكبر من عمرها.
قالت إن عمرها ستة عشر عاماً.
ثم قالت خمسة عشر.
ثم لم تعد تعرف.
ربما كان العمر، مثل الاسم، شيئاً يمكن للبحر أن يمحوه.
كانت ترتدي سروالاً رياضياً أسود وسترة خفيفة لم تعد تحميها من شيء. ربطت في خصرها كيساً بلاستيكياً صغيراً، وضعت فيه هاتفاً أطفأته قبل النزول إلى الماء.
في الهاتف صورة لأمها.
لم تكن تريد أن تفقدها.
لذلك كانت كلما شعرت بثقل الماء يسحبها إلى الأسفل تلمس الكيس بيدها.
هنا أمها.
هنا ما تبقى من البيت.
هنا سبب آخر للبقاء.
ثم سمعت صرخة.
التفتت.
كان شاب يلوّح بيديه.
اختفى، ظَهَر رأسه ثانية ثم اختفى..
لم تصرخ.
كانت قد فهمت شيئاً لم تفهمه في المدرسة ولا في البيت ولا في كل تلك الفيديوهات التي شاهدتها على هاتفها.
فهمت أن البحر لا يُنقذ أحداً.
البحر يختبر فقط كم تستطيع أن تتحمل قبل أن يأخذك.
*********
عندما ظهرت أضواء سبتة في الأفق، لم تُصدّق عينيها.
بدت المدينة كأنها مُعلقة في الهواء.
بيضاء، دافئة وقريبة.
مدّت يدها إليها كأن المدينة تستطيع أن تمسك بها.
ثم جاء الصوت من خلفها:
— توقفي!
لم تعرف من أين جاء.
كان هناك رجال.
صرخات، أقدام تضرب الماء وأضواء قوية تقطع الظلام.
تقدمت. كان هناك من حاول إعادتها.
تعلقت بصخرة، جرحت ركبتها وصرخت.
لم يسمعها أحد.
أو ربما سمعها أحد ولم يستطع الوصول إليها.
في تلك الفوضى، رأت فتاة أخرى تصرخ وتطلب النجدة.
ثم اختفت خلف أجساد الرجال.
بعد دقائق لم تعد تصرخ.
بقي صوت واحد فقط.
صوت البحر.
*********
في الصباح، كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد امتلأت بالحكايات.
فيديو مدته سبع عشرة ثانية.
صورة لرجل يركض حاملاً طفلاً.
تسجيل صوتي لامرأة تبكي وهي تبحث عن ابنها.
شهادة شاب قال إنهم ضربوه.
وأخرى لفتاة لم تذكر اسمها، قالت إن بعض الذين وصلوا تعرضوا للضرب، وإن فتيات اختفين لساعات قبل أن يظهرن من جديد بثيابهن ممزقة..
ثم ظهرت منشورات عن اعتداءات أكثر فظاعة.
لم تكن كلها مؤكدة.
لكن حكايات الرعب لا تحتاج إلى ختم رسمي.
يكفي أن تكون قابلة للتصديق.
كانت الحكايات تنتقل من هاتف إلى هاتف، تكبر مع كل مشاركة، حتى صار البحر نفسه يبدو كأنه شاهد في محكمة بلا قضاة..
وفي وسط كل ذلك، لم يكن أحد يعرف شيئاً عن الفتاة ذات الستة عشر عاماً.
*********
شمس إفريقيا حارقة في منتصف آخر أيام يوليوز، حين وجدها عامل نظافة قرب سور ثكنة مهجورة.
كانت ملتفة على نفسها، عارية القدمين.
تعضُّ شفتيها وتتنفس بصعوبة.
حين اقترب منها عامل النظافة ، ابتعدت.
قال لها:
ـ لا تخافي.
فابتعدت أكثر.
كان جسدها يرتجف، نظراتها شاردة، مُعلّقة في مكان لا يراه أحد، كأنها تبحث عن شيء ضاع منها في تلك اللحظة. لم تقل شيئًا. ظلّ الصمت عالقًا بين شفتيها، بينما كان وجهها يزداد شحوبًا، حتى بدا كأن الدم انسحب منه تاركًا وراءه خوفًا لا اسم له.
*********
في الطرف الآخر من المدينة كانت صباح تفتح نافذة بيتها.
كانت في أواخر الخمسينيات، مسلمة، سبتاوية، وُلدت في المدينة وعاشت فيها عمرها كله.
تعرف الأزقة التي لا تظهر على الخرائط.
تعرف رائحة البحر قبل العاصفة، تعرف رائحة سمك الكابايا..
وتعرف أيضاً أن المدينة التي تُحبها ليست بريئة دائماً.
كانت صباح تتابع الأخبار على هاتفها.
تقرأ، تُغلق ثم تعود إلى القراءة.
كانت بعض التعليقات تجعلها تشعر بالخجل.
جيرانها المسيحيين يتحدثون عن “الغزاة”
آخرون عن “الحيوانات”
آخرون عن عودة طارق وموسى وخيانة دُونْ جوليان ..
أما الذين غرقوا، فلم يكن لهم في هذه الحكاية سوى رقم.
في الظهيرة، اتصلت بها صديقة تعمل متطوعة.
خاطبتها:
ـ صباح، هل لا زال في منزلك مكانا للإيواء؟
ـ لمن؟
ـ فتاة صغيرة لفظها البحر هذا الصباح
ـ كم عمرها؟ سألت صباح
ـ صغيرة.
سكتت صباح قليلًا قبل أن ترد. خرج صوتها خافتًا ومتعبًا، مترددًا كأنه ينتزع الكلمات من قاعٍ بعيد. كانت أنفاسها متقطعة، ونبرتها ترتجف تحت ثقل التوتر والإرهاق، ثم قالت:
ـ أنا خارج البيت… أحاول أن أجمع ما أستطيع من مواد غذائية. الأسواق كلها مُقفلة، ولم أتمكن من شراء ما يكفي. سأعود بعد ساعة تقريبًا. خذوا الفتاة إلى بيتي، وانتظروني هناك… سأصل إليكم.
*********
كانت الفتاة جالسة على كرسي بلاستيكي.
حين دخلت صباح، رفعت عينيها.
لم تتحرك.
جلست صباح أمامها.
لم تسألها اسمها، ولا من أين جاءت ولا كيف وصلت.
وضعت على الطاولة زجاجة ماء.
وخاطبت الفتاة:
ـ أنا صباح.
لا جواب.
ـ إذا أردتِ النوم، نامي.
صمت.
ـ وإذا أردتِ البكاء، ابكي.
صمت.
ثم أضافت:
ـ وإذا أردتِ ألاّ تفعلي شيئاً، فلا تفعلي شيئاً.
لأول مرة، تَحرَّك شيءٌ في وجه الفتاة.
لم تكن ابتسامة.
كان شيئاً يشبه الاعتراف.
كأنها تقول:
أخيراً، شخص لا يريد مني شيئاً.
*********
في الليلة الأولى، لم تنم.
كلما أغلقت عينيها عادت الأصوات.
الماء، الصراخ، الأضواء.
يد امتدت إليها. يد أخرى دفعتها.
ضحكات..شتائم، وغرفة لا تعرف أين كانت.
لم تكن تتذكر كل شيء.
وهذا ربما كان أرحم.
عندما بدأت ترتجف، دخلت صباح.
لم تقل شيئاً. فقط جلست بجوارها.
بعد لحظات، قالت الفتاة:
ـ لا تلمسيني.
توقفت صباح.
بعد دقائق، قالت الفتاة:
ـ هل أنتِ غاضبة مني؟
ـ لماذا؟
— لأنني جئت إلى..
ردت صباح مستفسرة.
ـ جئتِ إلى أين؟
ـ إلى هنا..
ابتسمت صباح بحزن، فهمت قصدها وردت بنبرة حنان:
— يا ابنتي، أنت لستِ غريبة في هذا المكان..
ثم أضافت:
ـ هل عبرتِ من البحر.
*********
بعد ثلاثة أيام بدأت الفتاة تتكلم.
اسمها نادية.
أو هكذا قالت.
كان معها هاتف.
على شاشته صورة أم وأخ صغير.
حياة كاملة مختبئة في شاشة مكسورة.
قالت لصباح:
ـ أمي لا تعرف أنني عبرْت.
ـ ستعرف. أجابتها صباح
ـ كيف؟
لم تُجب صباح، فقط ابتسمت..
فبعض الوعود تكون كذباً حتى لو خرجت من قلب طيب.
في المساء سألتها صباح:
ـ لماذا جئتِ؟
قالت:
ـ أردت أن أعيش.
ثم أضافت:
ـ أريد أن أصبح ممرضة.
ردت صباح:
ـ ستُصبحين.
ضحكت نادية.
كانت أول مرة تضحك فيها، لكن ضحكتها انكسرت سريعاً.
*********
في الأسبوع التالي، جاء القرار.
ستُنقل نادية إلى مركز لإيواء القاصرين.
كانت صباح تعرف أن وجودها معها مؤقت.
ساعدتها على جمع أشيائها.
هاتف، وسوار قديم أعطتها إياه.
قالت نادية:
ـ لا أريده.
ـ خذيه، ألحّت صباح
ـ لماذا؟
ـ لأن أمي أعطتني إياه يوم كنت في عمرك تقريباً.
نظرت نادية إلى السوار.
ـ وأين أمك؟
سكتت صباح طويلاً.
ثم قالت:
ـ ماتت.
وضعت نادية السوار في يدها.
ـ إذن لما تعطيني إياه.
ـ لأنك ستحتاجينه أكثر مني. ثم احتضنتها صباح.
هذه المرة لم تتراجع نادية.
دفنت وجهها في كتفها وبكت.
قالت صباح:
ـ ستعودين يوما إلى حضن أمك..
ردت نادية وهي تشيحُ بنظراتها:
ـ لا أعرف إن كنت أستطيع.
ـ لماذا؟
ـ لا أعرف إن كنتُ أستطيع أن أعيش بعد كل هذا.
أغلقت صباح عينيها لحظة، كأنها تستدعي من مكان بعيد كلامًا لا يخصها وحدها. ثم مررت يدها على شعر نادية وقالت:
ـ عيشي من أجلٍها.
رفعت نادية رأسها، ونظرت إليها بعينين غارقتين في الدموع.
تابعت صباح، بصوت هادئ:
ـ لا تفكري في الغد الآن. الغد بحر آخر، ونحن لا نعرف ما يخفيه البحر. عيشي هذا اليوم فقط… تنفسي، كلي شيئًا، نامي إن استطعتِ، واتركي قلبك يتذكر أنه ما زال ينبض.
سكتت قليلًا، ثم أضافت:
ـ لا تسمحي لما حدث لكِ أن يصبح اسمك الجديد. أنتِ لستِ ما فعله بك الآخرون، ولستِ تلك الليلة، ولا ذلك البحر، ولا الأيدي التي دفعتكِ إلى الخوف. أنتِ أكثر من كل ذلك.
مسحت دموعها بإبهامها وقالت:
ـ أحيانًا لا ننجو لأننا أقوياء. ننجو لأننا نؤجل السقوط يومًا آخر. ثم يأتي يوم آخر، وبعده يوم آخر… وفجأة نكتشف أننا عبرنا مسافة لم نكن نعتقد أننا قادرون على عبورها.
نظرت نادية نحو النافذة. كان الضوء شاحبًا، يكاد لا يُرى.
قالت صباح:
ـ أمك لا تحتاج منكِ أن تعودي إليها كما كنتِ. ستفتح لكِ ذراعيها كما أنتِ الآن. مكسورة، خائفة، صامتة… لا يهم. الأم لا تنتظر أبناءها كاملين، تنتظر فقط أن يعودوا.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وضمَّتها إليها من جديد.
في تلك اللحظة، لم تقل نادية شيئًا.
*********
بعد شهر، توصلت صباح برسالة من مركز إيواء القاصرين تطلب من صباح الحضور.
وجدت موظفة شابة تنتظرها.
خاطبتها الموظفة:
ـ لدينا مشكلة.
ـ ماذا حدث؟
ـ نادية اختفت.
تجمد وجه صباح.
ـ ماذا تعنين اختفت؟
ـ غادرت المركز ليلاً.
ـ إلى أين؟
ـ لا نعرف.
شعرت صباح أن شيئاً بارداً دخل صدرها.
سألت:
ـ هل تركَتْ شيئاً؟
أعطتها الموظفة كيساً صغيراً.
كان فيه الهاتف، وصورة.
ثم قالت:
ـ وهناك شيء آخر.
أخرجت ورقة.
كانت بخط يد نادية.
ثلاث كلمات فقط:
“أريد أمي. سامحيني.”
ظلّت صباح تُحدِّق في الكلمات.
ثم رفعت رأسها.
ـ هل بحثتم عنها؟
قالت الموظفة:
ـ أخبرنا الشرطة.
خرجت صباح إلى الشارع.
كان الناس يمشون.
الحافلات تمر.
المقاهي مفتوحة.
الأطفال يركضون.
والمدينة تواصل حياتها كأن شيئاً لم يحدث.
*********
في المساء، فتحت صباح هاتفها.
كانت الحكايات القديمة لا تزال هناك.
صور العابرين.
الأخبار،التعليقات، الشتائم والبيانات..
ثم ظهر فيديو جديد.
لم يكن طويلاً.
صورة لفتاة صغيرة تمشي قرب البحر.
الوجه غير واضح.
الصوت لرجل يقول:
ـ وجدوا فتاة في منطقة صخرية.
توقفت صباح عن التنفس.
قرّبت الصورة على شاشة الهاتف.
لم تكن متأكدة، لكنها رأت السوار.
السوار الذي أهدتهُ لنادية.
حينها سقط الهاتف من يد صباح.
*********
في اليوم التالي عثروا على جثة فتاة.
على بعد أمتار قليلة من المكان الذي عثروا فيه على نادية أول مرة.
قالوا إن البحر أعادها.
قال آخرون إنها لم تعد إلى البحر أصلاً.
وقال ثالث إن الحقيقة ستظهر في التحقيق.
وبدأت المواقع تنشر الخبر.
“وفاة قاصر مهاجرة في ظروف غامضة”
ثم اختفى الخبر بعد ساعات بين أخبار أخرى.
*********
بعد أسبوع، كانت صباح تقف أمام البحر.
أخرجت الهاتف وفتحت الصورة القديمة.
صورة نادية وهي تضحك لأول مرة.
كانت ضحكة صغيرة، خجولة، تكاد لا تُرى.
قالت صباح للبحر:
— وعدتُها أن تعيش يوماً آخر.
ثم سكتت.
كان البحر هادئاً.
هادئاً بصورة تثير الاشمئزاز.
حين عادت إلى البيت تلك الليلة، وجدت تحت بابها ظرفاً أبيض.
لا اسم عليه.
فتحته ووجدت فيه صورة نادية تقف أمام جدار أبيض، وفي يدها السوار.
وخلفها رجل لا يظهر وجهه.
وعلى ظهر الصورة جملة واحدة:
“صباح، لا تبحثي عني… لقد التقيتُ أمي.”
جلست صباح على الأرض.
قرأت الجملة مرة.
ثم ثانية.
ثم للمرة الثالثة.
وفي اللحظة التي بدأت فيها تصدق أن الفتاة نَجَت، رن هاتفها.
رقم مجهول.
رفعت السماعة.
لم يقل أحد شيئاً.
فقط سمعت صوت أنفاس..
ثم همسة بعيدة:
ـ صباح…
وتوقف الخط.
ظلت صباح ممسكة بالهاتف.
لم تعرف إن كانت قد سمعت صوت نادية أم صوت البحر..
*كاليبسو في الأسطورة اليونانية حورية بحرية/إلهة مرتبطة بالجزيرة والبحر، اشتهرت في ملحمة هوميروس “الأوديسة” باستقبالها أوديسيوس بعد غرق سفينته. احتفظت به في جزيرتها سنوات، وأحبته وعرضت عليه الخلود، لكنه ظل يتوق إلى العودة إلى وطنه وزوجته بينيلوبي.
في هذا النص صباح هي كاليبسو معكوسة، لا تحتجز الفتاة القادمة من البحر، بل تحتضنها ثم تفتح لها باب الخروج.
*”صباح” شخصية حقيقية من مدينة سبتة اشتهرت مؤخرا بمساعدة العابرين إلى سبتة في حدث العبور الأخير نهاية شهر يوليوز الجاري، الباقي مزيج من الخيال الروائي وحقائق سمعتها من شهود عيان، وأخرى كنت شاهدا عليها.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها