2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
قبل أسابيع قليلة، كانت الحدود الفاصلة بين الفنيدق وسبتة المحتلة مسرحًا لموجة عبور جماعي غير مسبوقة، بعدما تمكن آلاف الأشخاص من الوصول إلى المدينة المحتلة في ظرف استثنائي، لتبدأ بع ذلك دعوات جديدة انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، تحدد يوم 15 غشت موعدًا لتكرار السيناريو.
لكن الموعد مرّ بهدوء مختلف تمامًا، فالتعبئة التي رافقت الدعوات الرقمية لم تتحول إلى موجة جماعية جديدة، بعدما رفعت السلطات الأمنية المغربية مستوى التأهب في محيط الفنيدق والمناطق المؤدية إلى حدود المدينة المحتلة، في خطوة بدت حاسمة في إفشال التحرك المنتظر.
صحيفة “إل موندو” الإسبانية سلطت الضوء على حجم الاستنفار المغربي، مشيرة إلى أن الإجراءات الأمنية المشددة جعلت يوم 15 غشت من أكثر الأيام هدوءًا من حيث محاولات العبور نحو سبتة المحتلة.
استباق التحرك قبل وصوله إلى الحدود
المقاربة المغربية هذه المرة لم تنتظر وصول الراغبين في العبور إلى السياج الحدودي، فقد جرى التعامل مع الدعوات المتداولة على شبكات التواصل باعتبارها مؤشرًا مبكرًا على تحرك محتمل، لتبدأ عملية تعزيز المراقبة في المناطق التي يمكن أن تتحول إلى نقاط تجمع.
وتشير المعطيات التي أوردتها “إل موندو” إلى أن السلطات المغربية أقامت انتشارًا أمنيًا واسعًا في محيط الفنيدق، شمل قوات وعناصر أمنية مختلفة، إلى جانب وسائل مراقبة ميدانية، لتكون النتيجة تضييق مساحة الحركة أمام أي تجمع يمكن أن يتجه نحو الحدود.
بهذه الطريقة، انتقل التعامل مع الظاهرة من مرحلة احتواء محاولة العبور إلى مرحلة أكثر استباقية، تقوم على منع تشكلها من الأساس، لانه كلما ابتعدت التجمعات عن الحدود، أصبح من الأسهل تفكيكها ومنع تحولها إلى موجة جماعية يصعب التحكم فيها.
“15 غشت ” موعد اصطدم بالواقع الأمني
كان أصحاب الدعوات الرقمية يراهنون على عامل العدد، وعلى تكرار الزخم الذي رافق أحداث نهاية يوليوز الماضي، غير أن الظروف الأمنية التي وجدها الراغبون في العبور هذه المرة كانت مختلفة، بعدما أصبحت المنطقة الحدودية تحت مراقبة مشددة.
وتكشف حصيلة يوم أمس، وفق الرواية التي نقلتها “إل موندو”، حجم الفارق بين الموعدين، فبدل مشاهد التدفق الجماعي، سجلت الحدود تراجعًا كبيرًا في محاولات الوصول إلى سبتة، في مؤشر على نجاح الإجراءات الأمنية المغربية في احتواء التحرك.
أكثر من 200 مهاجر في المناطق الجبلية
الاستنفار المغربي لم يكن موجهًا فقط إلى الشباب المغاربة الذين تجاوبوا مع دعوات “الحريگ”، فقد تعاملت السلطات أيضًا مع مجموعات من المهاجرين المنحدرين أساسًا من دول إفريقيا جنوب الصحراء، كانوا قد اتخذوا من المناطق الجبلية القريبة من الحدود أماكن للاختباء والانتظار.
وبحسب “إل موندو”، فقد تم منع أكثر من 200 شخص من الوصول إلى سبتة، بعدما كانوا ينتظرون فرصة مناسبة للعبور، ليعكس ذلك طبيعة الضغط الذي تواجهه المنطقة، باعتبارها إحدى نقاط التقاء مسارات الهجرة القادمة من جنوب الصحراء مع “الحدود الأوروبية”.
وتختلف دوافع هؤلاء المهاجرين عن دوافع جزء من الشباب المغربي، فالمهاجرون القادمون من جنوب الصحراء يكونون غالبًا قد قطعوا مسافات طويلة، وأمضوا أشهرًا أو سنوات في الطريق، ما يجعل محاولات العبور بالنسبة إليهم مرتبطة بمسار هجرة طويل وليس بقرار عابر.
تجربة يوليوز تغيّر حسابات الشباب
لكن العامل الأمني ليس وحده الذي ساهم في إفشال تحرك 15 غشت، فقد بدأت تجربة نهاية يوليوز تترك أثرها على الشباب الذين خاضوا مغامرة الوصول إلى سبتة، بعدما اكتشف بعضهم أن الواقع مختلف عن الصورة التي تقدمها شبكات التواصل الاجتماعي.
وتورد “إل موندو” قصة شقيقين مغربيين، ياسين وأحمد، وصلا إلى سبتة سباحة خلال موجة العبور السابقة، لكنهما لم يمكثا فيها سوى يومين قبل العودة إلى الفنيدق بسبب غياب المال والطعام واضطرارهما إلى النوم في حديقة.
هذه التجربة، بحسب الصحيفة الإسبانية، قد تكون بمثابة درس عملي لعدد من الشباب الذين كانوا ينظرون إلى الهجرة باعتبارها طريقًا سريعًا نحو حياة أفضل، فالواقع الذي واجهه بعض العابرين لم يكن مطابقًا للصورة المثالية التي تصنعها مقاطع الفيديو والمنشورات الرقمية.
بين الحلم الأوروبي وواقع الهجرة
تكمن إحدى مشكلات الهجرة غير النظامية في الفجوة الكبيرة بين التوقعات والواقع. فبعض الشباب يتابعون يوميًا صورًا لأشخاص يعيشون في أوروبا، أو يتباهون بمستويات دخل مرتفعة، ما يجعل الفوارق الاقتصادية تبدو أكبر مما هي عليه في الواقع.
وتنقل “إل موندو” عن مسؤول إسباني سابق في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية أن بعض الشباب المغاربة الذين يتقاضون رواتب تقارب 350 يورو يعتقدون أن الوصول إلى إسبانيا سيضمن لهم مباشرة أجورًا أعلى وفرص عمل أفضل.
غير أن تجربة الذين وصلوا إلى سبتة خلال موجة يوليوز أظهرت أن الوصول إلى الضفة الأخرى لا يعني تلقائيًا الحصول على عمل أو سكن أو حياة مستقرة، وهذه الحقيقة يمكن أن تؤثر في حسابات الشباب الذين يفكرون في تكرار التجربة.
معركة الحدود تبدأ من الفضاء الرقمي
أحد أبرز عناصر تحرك “15 غشت” كان انتقال التعبئة من الشارع إلى شبكات التواصل الاجتماعي، فالدعوة إلى العبور لم تكن مرتبطة بتنظيم تقليدي، وإنما بموعد جرى تداوله رقميًا وحاول أصحابه تحويله إلى حدث جماعي.
لكن المفارقة أن الفضاء نفسه الذي سمح بانتشار الدعوة أتاح للسلطات المغربية رصدها والاستعداد لها، وهو ما جعل شبكات التواصل، التي شكلت أداة للحشد، مصدرًا للمعلومات حول طبيعة التحرك وحجمه والموعد الذي كان يستهدفه.
وبذلك، أصبح الاستباق عنصرًا أساسيًا في المقاربة الأمنية المغربية، وبدل انتظار وصول مئات أو آلاف الأشخاص إلى الحدود، جرى التعامل مع المؤشرات الأولى للتحرك قبل أن تتحول إلى واقع ميداني.
ما حدث في 15 غشت يكشف تحولًا في طريقة التعامل مع محاولات العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة. فالتجربة السابقة أظهرت مخاطر الانتظار إلى اللحظة الأخيرة، بينما أظهرت التجربة الجديدة أهمية الانتشار المبكر ومراقبة محيط الحدود.
وتشير المعطيات التي أوردتها “إل موندو” إلى أن المغرب تمكن هذه المرة من فرض حضور أمني كثيف في المنطقة، بما جعل الوصول إلى الحدود وتنظيم تجمعات كبيرة أكثر صعوبة.
والأهم أن الإجراءات لم تقتصر على السياج الحدودي، وإنما شملت المسالك الجبلية والمناطق المحيطة بالفنيدق، وهي المناطق التي يمكن أن تستخدمها مجموعات المهاجرين للتجمع والانتظار قبل محاولة العبور.
هل انتهى “الحريگ”؟
رغم فشل تحرك “15 غشت”، فإن ذلك لا يعني نهاية محاولات الهجرة غير النظامية نحو سبتة، لأن العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة لا تختفي بقرار أمني، كما أن مسارات الهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء ستظل قائمة.
لكن ما حدث يحمل رسالة واضحة: تحويل موعد على شبكات التواصل الاجتماعي إلى محاولة عبور جماعي أصبح أكثر صعوبة في ظل المراقبة الأمنية والاستعداد المسبق، كما أن تجربة يوليوز نفسها بدأت تكشف للشباب جانبًا من الواقع الذي لا يظهر على شاشات الهواتف.
وفي المحصلة، نجح المغرب في تحويل يوم كان يُراد له أن يكون موعدًا جديدًا للعبور الجماعي إلى اختبار أمني انتهى دون تكرار سيناريو نهاية يوليوز، حيث جرى رصد الدعوات، وتعزيز الانتشار، ومراقبة المناطق الحساسة، ومنع مجموعات من الوصول إلى الحدود.
وهكذا، فإن إفشال تحرك “15 غشت” لم يكن نتيجة إجراء واحد، وإنما حصيلة مقاربة جمعت بين الاستباق، والمراقبة الميدانية، وتشديد الحراسة على الحدود، والتعامل مع التحركات قبل وصولها إلى نقطة الصفر.