2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
البحر ليس أمامهم وحدهم.. في نقد الاختزال السوسيولوجي الفج لظاهرة الهجرة غير النظامية
ياسين حكان
أعادت مشاهد وصول شباب مغاربة إلى سبتة المحتلة ردود الفعل حول الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش السياسي والثقافي بالمغرب والعالم العربي، لا سيما أنها أفرزت قراءات منفعلة وتفسيرات حادة تجاه الأحداث المأساوية والأزمات المتلاحقة التي شهدتها المدينة المغربية المستعمرة.
وفي هذا السياق، نشر موقع “الجزيرة نت” مقالاً للمفكر والأكاديمي المغربي الدكتور حسن أوريد بعنوان “البحر أمامكم”. ولأن الدكتور أوريد يشغل موقعاً فكرياً ومؤسساتياً استثنائياً في المشهد الفكري والسياسي المغربي — بصفته أستاذاً للعلوم السياسية، وناطقاً رسمياً أسبق باسم القصر الملكي، ومؤرخاً سابقاً للمملكة، فضلاً عن تجاربه في الإدارة الترابية (والي جهة مكناس تافيلالت سابقا) — فإن ما يخطه ينـزل دائماً منزلة التقدير، ويتجاوز حدود الانطباع العابر ليلامس التقييم السياسي والسوسيولوجي للقضايا الوطنية والقومية الحارقة.
غير أن الجزء الذي يستدعي التوقف والتفكيك النقدي في أطروحة الدكتور أوريد، هو ذلك الربط القسري الذي أقامه بين موجة الهجرة غير النظامية الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة، وبين النص التشريعي لمدونة الأسرة المغربية؛ حيث كتب جازماً:
”لم تعد شريحة ما يسمى بـ “نيت” (NEET) أي غير المندمجة في الشغل أو التعليم، تطفح بالغضب فقط، بل تحمل العنف كذلك، وهي شريحة تقل أعمارها عن 20 سنة، وهي نتاج ما سمي بمدونة الأسرة، عُدت فتحا مبينا حينها، وهي التي قلصت سلطة الأب وجعلت العلاقة الزوجية علاقة تكافؤ وليس تكافلا وتكاملا”.
ثم يضيف في السياق ذاته:
”عدد كبير من النازحين، هم أبناء أسر من ولي واحد، أي من نتاج مدونة الأسرة، والتي ظهرت آثارها السلبية في تظاهرات الأطراف، والجنوح إلى العنف”.
أمام هذا الطرح، يجد المتابع للمشهد السياسي نفسه أمام تهافت منطقي عجيب وغريب لا يمكن التغاضي عنه؛ إذ إن اختزال ظاهرة مركبة ومعقدة، وعابرة للحدود كالهجرة غير النظامية في بنود قانون أسري وطني هو، في تقديري، تسطيح مخل وغير دقيق لظاهرة يصعب اختزالها في عنصر تفسيري واحد، يتداخل فيها ما هو نفسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، حيث تتجاوز أبعادها التشريعات الوطنية لتمس تحولات كبرى ودولية تتعلق بعلاقات الهيمنة وعلاقات دول الشمال بدول الجنوب والفروقات بينها في مشاريع التنمية والتحديات التي تواجه هذه البلدان.
تثير قراءة الدكتور أوريد تساؤلات منهجية تؤثر مباشرة في التناول الموضوعي للظاهرة، أولا غياب العينة التمثيلية: بأي أدوات سوسيولوجية جزم أوريد بأن “عدداً كبيراً من النازحين هم أبناء أسر من ولي واحد”؟ هل استند هذا الطرح إلى دراسات إمبيريقية ومعطيات إحصائية ميدانية أُجريت على خطوط التماس، أم أنه لا يعدو كون مجرد تعليق أزمة لظاهرة معولمة على مشجب نص قانوني سعى بالأساس لحماية الكيان الأسري من التفكك؟
ثانيا، صدمة الواقع الميداني: إن الادعاء بتراجع “سلطة الأب” كمسبب للنزوح الجماعي يصطدم بالصور الصادمة التي وثقتها وسائل الإعلام، لرجال يتقدمون زوجاتهم وأبناءهم نحو المجهول في مياه البحر. وهو ما يؤكد أن السلوك الجمعي للهرب هو نتاج انسداد أفق تنموي عام، وليس نتيجة لخلل تنفيذي في سلطة الأب داخل الأسرة.
كان الأحرى بالتحليل السوسيولوجي أن يلتفت إلى القوة القاهرة التي باتت تشكل وعي الناشئة في الجنوب العالمي؛ إذ مع ظهور الأنترنث وثورة الأنفوميديا حسب ألفين توفلر، والمتمثلة في الثورة الرقمية والاستخدام الكثيف للتكنولوجية العابرة للحدود:
تزييف الفضاء العام: لقد أضحت الشاشات الافتراضية هي الفضاء الأول للتنشئة، باعتبارها شبكات للغضب، حسب عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز، في ثلاثيته الشهيرة عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في حياة الشباب، حيث أضحت تُسوق صور وردية ومضللة عن “الفردوس الأوروبي”، مما يخلق حالة من الاغتراب الاستهلاكي تعصف بالفئات الهشة تدفعها للرهان بحياتهم وشبابهم، ولو كان الثمن الموت غرقاً.
عجز مؤسسات التنشئة الاجتماعية: إن الأزمة الحقيقية تتجلى في عجز المنظومات التربوية والتعليمية عن احتواء التأثيرات القيمية العولمية، وليست في نص قانوني يتوخى تنظيم الطلاق أو إقرار المسؤولية المشتركة التي تُعد في الجوهر أسمى صور العناية بالأبناء.
أخيرا، إن القول بأن مدونة الأسرة هي المسؤولة عن التفكك الاجتماعي يعكس خلطاً واضحا بين السبب التشريعي والمتغير القيمي المجتمعي. فالقوانين لا تخلق سلوكيات الشعوب من فراغ، والمأساة القائمة على شواطئ البحر المتوسط هي نتاج إخفاقات بنيوية في نماذج التنمية والفروقات بين دول الشمال ودول الجنوب، وتخلي المؤسسات عن دورها التربوي، وليست بأي حال من الأحوال نتاجاً لمادة قانونية في مدونة الأسرة (الأحوال الشخصية سابقا).
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها