2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
تدخل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو” مرحلة جديدة قبل نحو شهرين من موعد بحث مجلس الأمن في مستقبل ولايتها، بعدما أعادت الهيئة الأممية ترتيب قيادتها السياسية والعسكرية، بتمديد مهمة ألكسندر إيفانكو وتعيين اللواء الباكستاني جواد أحمد قائدا جديدا للقوة.
وتأتي هذه الخطوات في وقت يخضع فيه مستقبل البعثة لـ”مراجعة استراتيجية”، بما يجعل التعيينين جزءا من مرحلة إعادة تكييف مهمة “المينورسو”، أكثر من كونهما مجرد تغييرات إدارية منفصلة.
وكان مجلس الأمن قد مدد، بموجب القرار 2797 الصادر في أكتوبر 2025، ولاية البعثة إلى 31 أكتوبر 2026، كما طلب من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولايتها، مع أخذ مآل المفاوضات السياسية بعين الاعتبار.
استمرارية في القيادة السياسية
في هذا السياق، يأتي تمديد مهمة ألكسندر إيفانكو، الممثل الخاص للأمين العام ورئيس “المينورسو”، ليضمن استمرارية القيادة المدنية والسياسية للبعثة في مرحلة دقيقة.
إيفانكو يتولى رئاسة البعثة منذ 2021، وكان حاضرا في المشاورات التي عقدها مجلس الأمن خلال الأشهر الماضية بشأن تطورات الملف ومستقبل البعثة.
أما على المستوى العسكري، فقد عينت الأمم المتحدة اللواء الباكستاني جواد أحمد قائدا جديدا للقوة، خلفا للواء البنغلاديشي محمد فخرول أحسن.
ويمنح هذا التغيير قيادة المكون العسكري للبعثة شخصية جديدة، في وقت تشهد فيه “المينورسو” نفسها مراجعة لطبيعة انتشارها ومهامها.
هل هو تمديد مسبق للبعثة؟
وفي قراءة لهذه التعيينات، يرى الخبير في ملف الصحراء المغربية، محمد سالم عبد الفتاح، أنه رغم توقيت هذه التعيينات، لا يمكن اعتبارها من الناحية القانونية تمديدا مسبقا لولاية “المينورسو”، موضحا أن القرار الخاص بتمديد ولاية البعثة يظل من اختصاص مجلس الأمن، فيما تنتهي الولاية الحالية في 31 أكتوبر 2026.
لكن وفي نفس السياق، اعتبر عبد الفتاح، في تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن التعيينين يحملان “دلالة سياسية تتجاوز البعد الإداري”.
وقال عبد الفتاح: “ينبغي أولا النظر إلى تمديد مهمة ألكسندر إيفانكو وتعيين اللواء الباكستاني جواد أحمد على رأس المكون العسكري لـ”مينورسو” باعتبارهما جزءا من مرحلة إعادة تكييف للبعثة الأممية أكثر من كونهما مجرد تغييرات إدارية معزولة”.
وحسب الخبير ذاته، فإن “استمرار إيفانكو في قيادة البعثة يوفر عنصر الاستمرارية في القيادة السياسية والمدنية، في حين يسمح تعيين جواد أحمد بتجديد القيادة العسكرية في لحظة تستعد فيها الأمم المتحدة لإعادة تقييم وظيفة البعثة وأدواتها”.
مراجعة تتجاوز مجرد التمديد
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من كون مستقبل “المينورسو” بات مرتبطا بمراجعة استراتيجية لمهامها، وليس فقط بسؤال تجديد الولاية لسنة أخرى.
وأشار عبد الفتاح إلى أن القرار 2797 “في الوقت نفسه طلب من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية البعثة، مع الأخذ بعين الاعتبار مآل المفاوضات السياسية”.
وكانت الأمم المتحدة قد شرعت فعلا في مراجعة مستقبل البعثة، فيما عقد مجلس الأمن في أبريل الماضي مشاورات مغلقة حول الملف، بحضور إيفانكو والمبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا.
وتأتي هذه المراجعة في ظل تغير البيئة السياسية المحيطة بالنزاع، وعودة المفاوضات إلى واجهة التحرك الدولي.
من بعثة الاستفتاء إلى وظيفة جديدة؟
ويرى عبد الفتاح أن التحول الأهم يتعلق بالوظيفة المستقبلية للبعثة، موضحا أن “القرار 2797 يمثل مقارنة بالصياغات الأممية السابقة تطورا مهما في هندسة العملية السياسية”.
وأضاف الخبير الصحراوي أن القرار “لم يكتف بتأكيد دعم جهود المبعوث الشخصي فقط، وإنما ربط المفاوضات بصورة صريحة بمبادرة الحكم الذاتي المغربية، ودعا الأطراف إلى التفاوض على أساسها، مع تكليف الأمين العام بإجراء مراجعة استراتيجية لمستقبل بعثة المينورسو”.
وتنص بالفعل الفقرة الثانية من القرار 2797 على دعم المفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية، فيما تدعو الفقرة الخامسة الأمين العام إلى تقديم مراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة.
واعتبر عبد الفتاح أن هذا التطور يعني أن “مرجعية التفاوض تغيرت سياسيا داخل مجلس الأمن”، وأن البحث عن تسوية نهائية بات أكثر ارتباطا بـ”حل واقعي وقابل للتنفيذ” بدلا من الاكتفاء بإدارة الوضع القائم.
أكتوبر.. موعد اختبار جديد
وبذلك، لن يكون اجتماع مجلس الأمن المرتقب في أكتوبر مجرد محطة تقنية لتجديد ولاية “المينورسو”، بل اختبارا للاتجاه الذي ستسلكه البعثة في المرحلة المقبلة.
وشدد عبد الفتاح على أن “استحقاق أكتوبر 2026 سيرتبط بتحديد الوظيفة التي ستضطلع بها بعثة المينورسو، في مرحلة ما بعد القرار 2797”.
وفي حال استمرار المسار السياسي الحالي، قد تصبح وظيفة البعثة أكثر ارتباطا بالمراقبة والاستقرار الميداني ودعم البيئة الملائمة للمفاوضات، بدل بقائها مرتبطة حصرا بالتصور التاريخي الذي أنشئت على أساسه.
وقد ربط تقرير للأمين العام في 2025 استمرار وجود “المينورسو” بدورها في مراقبة الوضع، ومنع التصعيد، والمساهمة في توفير بيئة مواتية للعملية السياسية.
قيادة جديدة في مرحلة انتقالية
من هذه الزاوية، تبدو إعادة ترتيب القيادة السياسية والعسكرية للبعثة جزءا من مرحلة انتقالية أوسع.
وخلص عبد الفتاح إلى أن “الأمم المتحدة لا تبدو بصدد التخلي عن البعثة، لكنها تبدو أمام سؤال أكثر جوهرية يتعلق بوظيفتها في مرحلة تتغير فيها طبيعة العملية السياسية”.
وأضاف: “المراجعة الاستراتيجية المقبلة حاسمة، لأنها ستوائم مهام بعثة المينورسو مع متطلبات المسار السياسي الجديد”.
وعليه، فإن ما جرى خلال غشت الجاري من تعيينات، لا يمثل تمديدا مبكرا لولاية البعثة، لكنه يكشف أن الأمم المتحدة تستعد لاستحقاق أكتوبر ببعثة تحافظ على استمرارية قيادتها السياسية، وتعيد ترتيب قيادتها العسكرية، فيما يظل السؤال الأكبر مطروحا حول ما إذا كان مجلس الأمن سيجدد الولاية بالشكل نفسه، أم سيبدأ مرحلة جديدة من إعادة تعريف وظيفة “المينورسو”.