2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
د محمد شقير
تعتبر الأحزاب الرقمية ظاهرة جديدة في الديمقراطيات الحديثة، لكنها لا تعني بالضرورة أحزاباً بلا تنظيم مادي، بل هي تحول الحزب السياسي من تنظيم هرمي مغلق إلى شبكة سياسية تعتمد بدرجة كبيرة على الإنترنت والمنصات الرقمية في التعبئة والتواصل وصنع القرار. فبخلاف الحزب التقليدي الذي يقوم عادة على مقرات وفروع محلية، و عضوية منظمة، و اجتماعات ومؤتمرات ، و جهاز قيادي هرمي، و مناضلين ووسطاء محليين، و جريدة أو وسائل إعلام حزبية، يعتمد الحزب الرقمي بدرجة أكبر على: منصات رقمية ومتابعين ، وتفاعل رقمي للتأثير السياسي. وهنا تصبح العضوية أقل أهمية من عدد المتابعين وقوة الحضور الرقمي والقدرة على خلق النقاش العام. وهكذا يمكن القول بأن الحزب الرقمي هو مرحلة من مراحل تطور التنظيم الحزبي : أي من الحزب الجماهيري الذي يعتمد على التنظيم والعضوية والانخراط المباشر، و الحزب الانتخابي الذي يعتمد على التلفزيون والإشهار السياسي والقيادة الكاريزمية ، إلى الحزب الرقمي الذي يعتمد على شبكات التواصل، والفيديوهات القصيرة، و المؤثرين، والبيانات الفورية، والخوارزميات.وهذا التحول غير معنى «المناضل الحزبي» نفسه. فقد أصبح بالإمكان أن يكون الشخص مؤثراً سياسياً من دون أن يكون عضواً في حزب أو يحضر اجتماعاً حزبياً واحداً.
1- عوامل ظهور الأحزاب الرقمية في الديمقراطيات الحديثة
هناك عدة عوامل وراء بروز بعض ما يمكن تسميته بالاحزاب الرقمية والتي من بينها :
أولاً: تراجع الأحزاب التقليدية، ففي العديد من الديمقراطيات تراجعت العضوية الحزبية والثقة في المؤسسات التقليدية، بينما ارتفع استعمال المواطنين للمنصات الرقمية.
ثانياً: ضعف الوساطة السياسية ، إذ لم يعد المواطن مضطرا إلى المرور عبر الحزب أو الصحافة أو النقابة لكي يخاطب السياسيين أو يعبر عن موقفه.
ثالثاً: صعود القيادة الشخصية، حيث اصبحت المنصات الرقمية تسمح للسياسي بأن يخاطب ملايين المواطنين مباشرة، وبالتالي تقل أهمية الجهاز الحزبي في صناعة صورته.
رابعاً: سرعة التواصل، فعوض بيان حزبي الذي كان يحتاج إلى صياغة وموافقة ونشر، يستطيع السياسي اليوم نشر موقف خلال ثوان وينتشر بشكل واسع وأسرع.
ونتيجة لمختلف هذه العوامل ، هناك عدة نماذج بارزة لما يمكن تسميته «الأحزاب الرقمية» أو الأحزاب التي نشأت أساساً في البيئة الرقمية واعتمدت بصورة كبيرة على الإنترنت والمنصات التشاركية في التنظيم والتعبئة واتخاذ القرار.
حيث يمكن اعتبار حركة «خمس نجوم» الإيطالية Five Star Movement نموذجاً مبكراً ومهماً لما يسمى الديمقراطية الرقمية. فقد اعتمدت هذه الحركة بدرجة كبيرة على الإنترنت والمنصات الرقمية في التواصل مع الأعضاء والتعبئة السياسية، ورفعت شعار المشاركة المباشرة للمواطنين. لكنها تحولت لاحقاً إلى حزب تقليدي أكثر مؤسساتية. كما يمكن ذكر حزب القراصنة ( Pirate Parties) في عدد من الدول الأوروبية، وأبرزها حزب القراصنة الألماني. فقد نشأت هذه الأحزاب حول قضايا حرية الإنترنت، والشفافية، والبيانات المفتوحة، والديمقراطية التشاركية. كما استخدمت أدوات رقمية مثل النقاشات المفتوحة والتصويت الإلكتروني في تنظيمها الداخلي. في حين أن هناك أحزابا وإن لم تتحول إلى أحزاب رقمية خالصة إلا أنها اعتمدت على نفس الاليات والدعامات التكنولوجية التي تستخدمها الأحزاب الرقمية .فحزب بوديموس (Podemos) في إسبانيا ليس حزباً رقمياً خالصاً، لكنه من أكثر الأحزاب الأوروبية استفادة من شبكات التواصل والمنصات الرقمية، خصوصاً في مرحلة التأسيس والتعبئة الأولى. وقد جعل التكنولوجيا وسيلة لتوسيع المشاركة السياسية خارج الهياكل الحزبية التقليدية. كما ظهرت مبادرات سياسية مرتبطة مباشرة بالدفاع عن الحريات الرقمية والمشاركة السياسية عبر الإنترنت، وإن كان بعضها لم يتحول إلى أحزاب جماهيرية مستقرة كحزب «ني!» أو The Internet Party). كما أن هناك الحزب الديمقراطي الجديد في تايوان (New Power Party) وتجارب سياسية رقمية آسيوية أخرى: استفادت من الحركات الاجتماعية والمنصات الإلكترونية في التعبئة، وإن لم تكن أحزاباً رقمية بالمعنى الصرف.
وقد نجحت بعض التجارب الرقمية فعلاً في الوصول إلى السلطة الحكومية، لكن نجاحها كان متفاوتاً، ولم تنجح أي منها تقريباً في الحفاظ على نموذج «الحزب الرقمي الخالص» بعد دخول المؤسسات. ولعل من أبرز هذه الحركات :
*حركة النجوم الخمس في إيطاليا التي تعتبر هي المثال الأوضح. حيث تحولت من حركة تعتمد بقوة على الإنترنت والمشاركة الرقمية إلى قوة انتخابية كبرى، وفازت في انتخابات 2018، ثم شاركت في الحكومة الإيطالية ضمن ائتلافات حكومية. أي أنها انتقلت فعلياً من الفضاء الرقمي إلى الحكم.
* حركة بوديموس في إسبانيا التي نجحت في الانتقال بسرعة من حركة سياسية حديثة النشأة تعتمد كثيراً على الشبكات الاجتماعية إلى حزب برلماني قوي. وبعد انتخابات 2019، شاركت في الحكومة الائتلافية الإسبانية ابتداءً من 2020. لكنها أيضاً لم تكن حزباً رقمياً خالصاً، بل حزباً هجينا جمع بين التعبئة الرقمية والتنظيم الميداني التقليدي.
*حزب القراصنة الذي حقق نجاحات انتخابية مهمة، خصوصاً في ألمانيا وأيسلندا والتشيك وغيرها، ودخل بعض البرلمانات والمجالس المحلية، لكن لم يصل إلى قيادة حكومة وطنية بالمعنى الذي وصلت إليه حركة النجوم الخمس أو بوديموس.
غير أن هذه التجارب قد كشفت عن مفارقة سياسية مهمة هي أن الرقمنة كانت في الغالب وسيلة للوصول إلى السلطة، لكنها لم تكن كافية وحدها لإدارة السلطة. فبمجرد دخول الحزب البرلمان أو الحكومة تظهر الحاجة إلى قيادة سياسية واضحة؛ و هياكل تنظيمية؛ و برنامج اقتصادي واجتماعي متكامل؛ و تحالفات برلمانية؛ و قدرة على التفاوض مع الأحزاب الأخرى؛ و مؤسسات لاتخاذ القرار تتجاوز الاستفتاء الإلكتروني والتفاعل على وسائل التواصل.لذلك يمكن القول إن النجاح الأكبر للأحزاب الرقمية كان في مرحلة التعبئة والاختراق الانتخابي، بينما واجهت تحديات أكبر عندما انتقلت من «سياسة المنصة» إلى «سياسة الدولة».وبالتالي ، فظهور الأحزاب الرقمية في بعض هذه الدول الديمقراطية كان، في جانب مهم منه، استجابة لأزمة الأحزاب التقليدية وأزمة الوساطة والتمثيل السياسي، مستفيدة في الوقت نفسه من الثورة الرقمية التي وفرت أدوات جديدة للتنظيم والتعبئة والمشاركة. لكن بدا أن هذه الأحزاب الرقمية عندما تنجح انتخابياً وتدخل البرلمان أو الحكومة تبدأ هي نفسها في بناء هياكل وقيادات ومؤسسات، أي أنها قد تتحول تدريجياً إلى ما كانت تنتقده في الأحزاب التقليدية.
2- حركة 20 فبراير وحراك جيل وإرهاصات الحركة السياسية الرقمية في المغرب
يمكن القول بأن حركة 20 فبراير كانت في عمقها التنظيمي أقرب إلى حركة اجتماعية رقمية منها إلى تنظيم حزبي. فقد اعتمدت منذ البداية على فيسبوك والشبكات الاجتماعية في التعبئة، والتنسيق، ونشر المطالب، مع عضوية مرنة وغير محددة. وقد وصفتها بعض الدراسات بالفعل بأنها من الحركات الاجتماعية الجديدة التي اتسمت بـ«العضوية الموزعة» والاستخدام المكثف للتكنولوجيا.وهنا تكمن أهميتها بالنسبة لفكرة الحزب الرقمي: فلم تكن العضوية مرتبطة بمقر حزبي، ولم يكن الانخراط يقتضي مسطرة تنظيمية تقليدية. كما كان التواصل أفقياً وشبكياً بدرجة كبيرة، بينما استطاعت أن تجمع تيارات سياسية وفكرية مختلفة حول مطالب مشتركة. و انتقلت باستمرار بين الفضاء الرقمي والشارع؛ أي أن العالم الافتراضي لم يكن بديلاً عن النشاط الواقعي بل أداة لتنظيمه. لكن نقطة ضعفها التي كانت تمنع اعتبارها حزباً رقمياً مكتملاً تمثلت في غياب التحول من التعبئة الاحتجاجية إلى بناء مؤسسة سياسية دائمة: قيادة مستقرة، عضوية محددة، برنامج انتخابي متكامل، آليات لاتخاذ القرار، وترشيح وانتخاب ممثلين. فقد أظهرت هذه الحركة إمكانية تنظيم السياسة خارج الهياكل الحزبية التقليدية، لكنها لم تحسم مسألة كيفية تحويل الشبكة الاحتجاجية إلى مؤسسة سياسية. وإذا كانت 20 فبراير تمثل الجيل الأول من الحركات السياسية الشبكية، فإن حراك جيل زد يمثل شكلاً أكثر ارتباطاً بالبيئة الرقمية المعاصرة. فقد انطلقت التعبئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصة Discord، وبرزت فيه قيادة غير مركزية وغياب واضح للزعيم التقليدي. وقد ربطت تحليلات صحفية بين هذا الشكل من التنظيم وبين أزمة الثقة في الأحزاب والنقابات التقليدية. وهذا مهم جداً في دراسة إمكانية ظهور الحزب الرقمي المغربي؛ لأن السؤال لم يعد: كيف نجعل الحزب التقليدي يستعمل وسائل التواصل الاجتماعي؟بل أصبح:هل يمكن أن يكون التنظيم السياسي نفسه مولوداً من الشبكات الرقمية؟وهذا فرق جوهري.
ولرصد بعض الفروقات بين هاتين التجربتين ، فيمكن وضعهما في تسلسل تطوري:
العنصر حركة 20 فبراير حركة جيل زد
الجيل الرقمي الجيل الأول جيل أكثر رقمية
وسيلة التعبئة فيسبوك منصات متعددة وDiscord وغيرها
التنظيم شبكي وغير مركزي أكثر لامركزية
القيادة تعددية وفضفاضة أكثر رفضاً للقيادة التقليدية
المطالب سياسية ودستورية خدمات عمومية ومحاربة الفساد
العلاقة بالأحزاب تقاطع وتعاون أحياناً مسافة أكبر عن الأحزاب
إمكانية التحول إلى حزب موجودة نظرياً تبدو أوضح من الناحية التقنية
المشكلة الأساسية غياب المؤسسة السياسية غياب الاستمرارية والاستراتيجية
وهنا تظهر المفارقة: فكلما ازدادت الحركة رقمية، أصبحت أكثر قدرة على التعبئة، ولكن ليس بالضرورة أكثر قدرة على بناء مؤسسة سياسية مستدامة. لذلك يمكن اعتبار هاتين الحركتين «ما قبل تاريخ» الحزب الرقمي المغربي. إذ من الصعب الدفع بأن حركة 20 فبراير أو جيل زد هما حزبان رقميان في طور التكوين، وإنما يمثلان تجارب سياسية سابقة راكمت بعض الشروط التي يمكن أن تؤدي إلى ظهور حزب رقمي. فالحزب الرقمي يحتاج إلى إضافة أربع شروط إلى الحركة الشبكية: الحركة الاحتجاجية ، و الشبكة السياسية ، و التنظيم الرقمي ، و المؤسسة الحزبية. أي أن الشبكات الاجتماعية تصبح وسيلة لـ: تسجيل الأعضاء رقمياً، و مناقشة البرنامج والتصويت عليه، و انتخاب القيادة بطريقة إلكترونية، و اختيار المرشحين للانتخابات، و تمويل الحزب ومراقبة الإنفاق بشفافية، وصياغة السياسات بالاستشارة الرقمية، و اتخاذ القرارات من خلال تصويت الأعضاء. بالإضافة إلى تحويل النقاش الافتراضي إلى عمل انتخابي ومؤسساتي على الأرض. وهذا تحديداً ما لم تصل إليه لحد الآن لا حركة 20 فبراير ولا جيل زد. غير أن الحركتين يشتركان مع ذلك في خيط سياسي رفيع يجمع بينهما رغم اختلافهما : وهو التعبير السياسي عن عدم الرضا عن قنوات الوساطة التقليدية المتمثلة بالخصوص في الأحزاب الوطنية . فقد ربطت بعض الدراسات حركة 20 فبراير بتحدي المؤسسات والنظم القائمة، بينما أظهرت تجربة جيل زد لاحقاً بروز احتجاج رقمي يفتقر إلى القيادة التنظيمية التقليدية. فكلما اتسعت الفجوة بين الشباب والأحزاب التقليدية، أصبح المجال أكبر أمام نموذج سياسي جديد لا يبدأ من الحزب ثم ينتقل إلى الإنترنت، وإنما يبدأ من الإنترنت ثم يحاول بناء الحزب. وهذا هو التحول الحقيقي من «حزب رقمي» إلى «حزب يولد رقمياً». فحركة 20 فبراير كانت الإرهاص الأول للحركة السياسية الشبكية في المغرب، بينما يمثل جيل زد شكلاً أكثر نضجاً من حيث الاعتماد على البيئة الرقمية، لكن كليهما بقي حركة اجتماعية احتجاجية لا حزباً سياسياً. والتحدي أمام النظام السياسي بالمغرب هو معرفة ما إذا كان سيظهر في المستقبل فاعل سياسي يستطيع القيام بالخطوة التي لم تنجح فيها الحركتان: تحويل الشبكة الرقمية من أداة للاحتجاج والتعبئة إلى مؤسسة ديمقراطية دائمة قادرة على إنتاج برنامج، وانتخاب قيادة، واختيار مرشحين، وخوض الانتخابات والوصول إلى السلطة.
3-هيكلة الاحزاب الرقمية بالمغرب
يمكن اعتبار 20 فبراير وجيل زيد مرحلتين تأسيسيتين في تطور الثقافة السياسية الرقمية المغربية، حتى وإن لم ينتجا حزبًا رقميًا بالمعنى التنظيمي. والأرجح أن الجيل الذي نشأ سياسيًا مع 20 فبراير ثم انتقل إلى الاحتجاج الرقمي بعد حراك جيل زيد، هو المرشح الطبيعي لإنتاج الشكل الحزبي الجديد؛ خصوصا إذا التقت أزمة الأحزاب التقليدية مع انتشار الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والفيديوهات القصيرة. لكن هناك شرطًا حاسمًا لتأسيس الحزب الرقمي: فهذا الأخير لن يكون مجرد حزب له صفحة فيسبوك أو قناة يوتيوب، بل حزبا تكون المنصة الرقمية نفسها جزءا من بنيته التنظيمية واتخاذ القرار واختيار المرشحين وصياغة البرنامج. وهنا تحديدا يمكن أن نبدأ الحديث عن «الحزب الرقمي المغربي» كظاهرة سياسية جديدة، وليس مجرد حزب تقليدي يستخدم وسائل الرقمنة. وبالتالي ، فإذا انتقلنا من الحديث عن ظاهرة الأحزاب الرقمية إلى سؤال كيف يمكن هيكلتها في المغرب، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتحويل الحزب التقليدي إلى حزب يستعمل فيسبوك وتيك توك، بل بإعادة بناء التنظيم الحزبي نفسه على أساس الشبكات الرقمية:
1 – من الهرمية الحزبية إلى الشبكة الحزبية، فالحزب التقليدي يقوم غالباً على هرم تنظيمي: المؤتمر ، المجلس الوطني ، المكتب السياسي/اللجنة التنفيذية ، الكتابات الجهوية ، الكتابات الإقليمية ، الفروع المحلية.وهي بنية ما زالت تشكل الإطار المعتاد لتنظيم الأحزاب المغربية. أما الحزب الرقمي فيمكن أن يقوم على بنية أكثر مرونة: المنصة الرقمية المركزية ، وشبكات جهوية وإقليمية رقمية ، ومجموعات موضوعاتية، وأعضاء ومناصرون ومشاركون غير منخرطين. وهنا لا يعود الانتماء للحزب مشروطاً بالضرورة بحضور اجتماعات فرع محلي أو امتلاك بطاقة عضوية تقليدية. كما يمكن أن يقوم الحزب باستعمال الذكاء الاصطناعي في:رصد مطالب المواطنين ، و تحليلها ، و تصنيفها و تحويلها إلى مقترحات سياسية ، مع قياس رد فعل المواطنين لتعديل البرنامج ، أ ي أن الحزب يصبح أقرب إلى منظومة استشعار سياسي للمجتمع.
2 – المؤتمر الرقمي حيث يمكن أن يتحول المؤتمر الحزبي من اجتماع دوري يحضره مندوبون إلى مؤتمر هجين: بحضور فعلي محدود؛ و مشاركة رقمية واسعة؛ و مناقشة مشاريع المقررات عبر منصة إلكترونية؛ و التصويت الرقمي الآمن؛ وانتخاب جزء من الهيئات القيادية مباشرة من القاعدة. وهذا من شأنه أن يحد من مشكلة احتكار النخب التنظيمية لصناعة القرار التي تعاني منها الأحزاب التقليدية.
3- من قيادة الزعيم إلى القيادة الشبكية ، فالأحزاب التقليدية المغربية تميل إلى تركيز القرار في يد الأمين العام والمكتب السياسي أو اللجنة التنفيذية. أما الحزب الرقمي فيمكن أن يعتمد على: قيادة سياسية منتخبة + قيادة رقمية + لجان خبراء + قاعدة أعضاء دائمة التفاعل. فتصبح القيادة مطالبة ليس فقط بإصدار البلاغات، وإنما بالاستماع المستمر إلى القاعدة الرقمية. وإن كان هناك تحدي وارد من أن يتحول الحزب الرقمي إلى حزب شخص واحد، خصوصاً إذا كان مؤسسه أو زعيمه يتمتع بجاذبية كبيرة على يوتيوب وفيسبوك وتيك توك. وبالتالي فإن الرقمنة قد تدمقرط الحزب أو تزيد شخصنته بحسب طريقة تصميم مؤسساته.
4- من الفروع إلى اللجان الموضوعاتية ، حيث يمكن أن تكون الهيكلة الجديدة قائمة على لجان مثل:لجنة الاقتصاد والتشغيل؛لجنة التعليم؛لجنة الصحة؛لجنة الشباب؛ لجنة الحكامة ومحاربة الفساد؛لجنة البيئة؛لجنة الجالية؛ لجنة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.ويمكن لأي عضو أن ينضم إلى لجنة موضوعاتية بغض النظر عن مكان إقامته. وهنا يحدث تحول مهم: فالفرع المحلي لا يعود هو الوحدة الأساسية للتنظيم، بل تصبح القضية أو السياسة العمومية هي الوحدة الأساسية.
5- العضوية الرقمية حيث يمكن تصور ثلاث درجات من العضوية : عضو كامل العضوية: له حق التصويت والترشح.
عضو رقمي: يشارك في النقاشات والاستشارات والتصويت في بعض القضايا. و مناصر/متابع: لا يحمل عضوية، ولكنه يشارك في الحملات والاستطلاعات والاقتراحات. وقد يسمح ذلك للحزب الرقمي باستيعاب فئة كبيرة من الشباب الذين يريدون المشاركة السياسية من دون الالتزام التنظيمي التقليدي.وهذه المسألة مهمة في المغرب تحديداً، لأن جزءاً من المشاركة السياسية انتقل بالفعل إلى الفضاء الافتراضي، بينما تجد الأحزاب صعوبة في استقطاب الشباب عبر الهياكل التقليدية. كما أن طبيعة العضوية في الحزب الرقمي قد تجعل مغاربة العالم أحد أهم المستفيدين من هذا النموذج التنظيمي، وربما تمنحه وظيفة لا تستطيع الأحزاب التقليدية القيام بها بسهولة. فالدستور بالمغرب قد منح مغاربة العالم حقوق المواطنة الكاملة، بما فيها الانتخاب والترشح، ونص في الفصلين 17 و18 على تيسير مشاركتهم السياسية المؤسساتية. لكن الإشكال ظل سياسيا في كيفية تحويل هذا الحق إلى مشاركة فعلية من بلدان الإقامة. في حين أن الحزب الرقمي يتجاوز مشكلة «البعد الجغرافي».فالحزب الرقمي، بخلاف الحزب التقليدي ، يمكن أن يجعل العضوية قائمة أساساً على المواطنة والاهتمام السياسي، لا على مكان الإقامة. وبالتالي يستطيع المغربي المقيم بالخارج أن يكون عضواً فاعلاً من خلال: منصة الحزب ،و مناقشة البرامج و التصويت الداخلي ، واقتراح السياسات ، و انتخاب القيادات ، وكذا المشاركة في صياغة البرنامج الانتخابي. أي أن العضوية لا تتطلب بالضرورة الانتقال إلى المغرب. وهذا قد يحول «مغاربة العالم» من جمهور انتخابي إلى فاعل سياسي. فبخلاف الحزب التقليدي الذي لا ينظر إلى الجالية إلا باعتبارها كتلة مواطنين ينبغي استقطاب أصواتها أو الاستماع إلى مطالبها ، إلى جزء من البنية الداخلية لصناعة القرار بالحزب الرقمي. فمثلاً يمكن أن يكون للحزب: مجلس رقمي لمغاربة العالم؛ وفروع افتراضية حسب بلدان الإقامة؛ وانتخابات داخلية إلكترونية؛ ومنصة لاقتراح القوانين والسياسات؛ و استطلاعات ملزمة أو استشارية للأعضاء؛ ومشاركة مباشرة لأعضاء الجالية في إعداد البرنامج الانتخابي. وهنا تصبح الإقامة خارج المغرب ليست عائقاً تنظيمياً، بل ربما ميزة. مما يجعل مغاربة العالم أكثر استعداداً للانخراط في الحزب الرقمي عبر «عضوية عابرة للحدود». أي أن المغربي يمكن أن يكون عضواً في حزب مغربي من دون أن يكون موجوداً مادياً داخل التراب المغربي.مع قد ما قد يقدمه مغاربة العالم للحزب الرقمي من خبرة في أنظمة سياسية مختلفة؛ و معرفة بالتجارب الحزبية الأجنبية سواء كانت أوروبية؛ أو غيرها . بالاضافة إلى خبرات مهنية وتقنية؛ و أفكاراً حول الرقمنة والإدارة والخدمات العمومية؛ و شبكات دولية؛ و معرفة بمشاكل الجالية نفسها.
6- الديمقراطية الداخلية عبر المنصة إذ يمكن للحزب الرقمي أن يجعل المنصة الإلكترونية بمثابة “برلمان داخلي دائم”: حيث يطرح المكتب السياسي مشروع قرار ، ليناقشه الأعضاء ، و تقدم تعديلات ، ليتم التصويت ، ثم تنشر النتيجة. وبذلك تصبح الديمقراطية الحزبية عملية مستمرة وليست حدثاً يقع مرة كل أربع أو خمس سنوات في المؤتمر.
7- التمويل والشفافية الرقمية حيث يمكن كذلك أن تكون للحزب قاعدة مالية رقمية تُظهر بصورة دورية: مصادر التمويل؛ والتبرعات؛ والنفقات؛ والإنفاق الانتخابي؛ وكذا الإنفاق على الإعلانات الرقمية. ولعل التنظيم القانوني المغربي بدأ بالفعل يأخذ في الحسبان النشاط الرقمي للحزب؛ فمشروع تعديل القانون التنظيمي للأحزاب الذي نوقش في 2025 تضمن إمكانية تأسيس الحزب شركة مملوكة له كلياً لممارسة أنشطة، من بينها التواصل والأنشطة الرقمية.
وبالتالي ، يمكن أن نتصور في المستقبل المنظور أن يعرف النظام السياسي بالمغرب تواجد ثلاثة نماذج للأحزاب :
*حزب تقليدي رقمي : بقيادة وتنظيم تقليديان مع استعمال قوي للسوشيال ميديا
* حزب هجين : بتنظيم تقليدي و عضوية وقرارات وتواصل رقمي
* حزب رقمي حقيقي : بقيادة وعضوية وبرامج وترشيحات ومشاركة تعتمد بدرجة كبيرة على المنصات الرقمية
والأرجح أن النموذج الثاني، أي الحزب الهجين، هو الأكثر قابلية للظهور في المغرب في المدى القريب.
4-معوقات مأسسة الاحزاب الرقمية بالمغرب
يمكن الدفع بان الأحزاب الرقمية بالمغرب قد لا تظهر أولاً في شكل أحزاب قانونية جديدة، بل قد تبدأ داخل الأحزاب القائمة كـ”أجنحة رقمية”، ثم تتحول تدريجياً إلى نموذج تنظيمي جديد. وهذا ربما يكون السيناريو الأكثر واقعية، لأن القانون المغربي ما زال يؤطر الحزب باعتباره تنظيماً سياسياً مؤسسياً له شروط تأسيس وهياكل وموارد محددة. وبالتالي فإن السؤال الأعمق ليس فقط “هل سيظهر حزب رقمي في المغرب؟”، وإنما: هل تستطيع الأحزاب المغربية التقليدية أن تتحول من أحزاب هرمية إلى أحزاب شبكية قبل أن تنتقل المشاركة السياسية للشباب بالكامل إلى الفضاء الرقمي؟
كما أن طبيعة السلطة ومركزية القرار السياسي في المغرب يمكن أن تشكل عائقاً أمام نشوء أحزاب رقمية بالمعنى الكامل للكلمة، لكنها لا تمنع بالضرورة ظهورها. والأدق أن نقول إن المركزية قد تدفع الأحزاب الرقمية المغربية إلى اتخاذ شكل مختلف عن نظيراتها في بعض الديمقراطيات الغربية. ففي النظام السياسي المغربي، لا تتركز ممارسة السلطة في البرلمان والحكومة والأحزاب وحدها؛ فالملكية تحتفظ بموقع مركزي في بنية النظام السياسي والدستوري. لذلك فإن الوصول إلى القرار العمومي لا يمر فقط عبر الفوز الانتخابي. وهذا يضعف، نسبياً، الحافز أمام نشطاء الإنترنت للانتقال مباشرة من الحركة الرقمية إلى الحزب السياسي، لأن الحزب مهما كان حضوره على الشبكات سيظل بحاجة إلى بناء تنظيم ميداني وعلاقات مؤسساتية ومحلية حتى يستطيع التأثير في القرار. في حين أن الأحزاب الرقمية تقوم على منطق معاكس للمركزية. فالحزب الرقمي الحقيقي يفترض: عضوية مفتوحة وسهلة عبر الإنترنت؛ و اتخاذ القرارات من أسفل إلى أعلى؛ و انتخاب المرشحين إلكترونياً؛ ومشاركة الأعضاء في صياغة البرامج؛ وشفافية في التمويل والتنظيم؛ وقيادة قابلة للمساءلة والتغيير؛ وكذا تقليص المسافة بين المواطن والقيادة. بينما الثقافة التنظيمية للأحزاب المغربية ظلت، بدرجات مختلفة، مرتبطة بالتراتبية، والقيادة، والمكاتب الوطنية والمحلية، والوساطة التنظيمية.
وهنا تظهر المفارقة: التكنولوجيا تسمح بتجاوز الوسيط الحزبي، بينما النظام السياسي والتنظيمي ما زال يحتاج إلى الوساطة الحزبية بدرجات معينة. لكن المركزية لا في طبيعة السلطة أو في الثقافة الحزبية ، قد تكون أيضاً سبباً في ظهور الأحزاب الرقمية. فإذا شعر الشباب بأن الأحزاب التقليدية لا تمنحهم إمكانية حقيقية للتأثير، فإنهم قد يتجهون إلى المجال الرقمي باعتباره فضاءً بديلاً للمشاركة السياسية. إذ لا ننسى بان كل من حركة 20 فبراير وجيل زيد قد سمحت لهما وسائل التواصل الاجتماعي التعبئة السياسية من دون امتلاك مقر حزبي أو شبكة تنظيمية وطنية.
وبالتالي قد تظهر حركة رقمية أولاً، ثم تتحول تدريجياً إلى: مجتمع رقمي ، ثم حركة سياسية ، ثم منصة سياسية ، ثم تنظيم انتخابي ليتشكل حزب رقمي. لكن التحدي الأكبر أمام تشكل الأحزاب الرقمية هي المشاركة في الانتخابات . فحتى لو كان الحزب رقمياً في بنيته الداخلية، فإن الانتخابات المغربية تظل مرتبطة بالدوائر الانتخابية، والمرشحين، والحضور المحلي، والحملة الميدانية. وهذا يعني أن الحزب الرقمي لا يستطيع أن يعيش بالكامل داخل الهاتف والمنصات. بل سيحتاج إلى: مناضلين محليين + مرشحين + مقرات أو شبكات ميدانية + تمويل + مراقبين انتخابيين + حضور جماهيري. ومن هنا قد يحدث ما يمكن تسميته “التقليدية الانتخابية للحزب الرقمي”:حزب حديث في طريقة التواصل واتخاذ القرار، لكنه مضطر إلى استعمال أدوات سياسية واجتماعية تقليدية للوصول إلى الناخب.
وبالتالي ،فالخطر على الحزب الرقمي المغربي ليس فقط أن تمنعه السلطة من الظهور، وإنما أن تؤدي عملية إدماجه في النظام السياسي إلى تحويله تدريجياً إلى حزب تقليدي. فمركزية السلطة في المغرب لا تغلق الباب أمام الأحزاب الرقمية، لكنها تجعل تحولها إلى قوة سياسية مستقلة ومؤثرة أكثر تعقيداً. فالحزب الرقمي يحتاج إلى بيئة سياسية تقوم على توزيع أوسع للسلطة، ومنافسة حزبية قوية، ومجتمع مدني نشط، وثقة مرتفعة في المؤسسات. وفي المقابل، فإن أزمة الأحزاب التقليدية وضعف الوساطة السياسية قد يدفعان الشباب إلى البحث عن بديل رقمي.وهنا تظهر مفارقة أساسية:كلما ضعفت الأحزاب التقليدية، ازدادت الحاجة إلى بديل رقمي؛ وكلما بقي القرار السياسي شديد المركزية، ازدادت صعوبة تحويل هذا البديل الرقمي إلى حزب قادر على الوصول إلى السلطة.ولهذا فإن السؤال الأهم في الحالة المغربية ليس فقط: «هل يمكن تأسيس حزب رقمي؟»، بل: «هل يمكن لحزب رقمي أن يحافظ على طبيعته الرقمية بعدما يدخل النظام الانتخابي والمؤسساتي المغربي؟».
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها